الأمن الغذائي في إفريقيا..معركة الأرض والماء في مواجهة المجاعة

الفصل الثاني: الأرض الإفريقية..الثروة التي تتعرض لضغط متزايد
ملفات- الحدث الافريقي
في إفريقيا، لا تكمن أهمية الأرض في كونها مجرد مساحة صالحة للزراعة، بل في كونها قاعدة أساسية للسيادة الغذائية، ومصدراً للعيش، وأصلاً اقتصادياً، وامتداداً للأمن الوطني والاجتماعي. ولهذا فإن الصراع على الأرض الإفريقية يتجاوز حدود المزارع والحقول. إنه صراع على المستقبل.
في قارة يتوقع أن يتضاعف عدد سكانها تقريباً خلال العقود المقبلة تحتاج إلى إنتاج غذائي أكبر بكثير، في الوقت الذي تواجه فيه أراضيها الزراعية ضغوطاً متزايدة بفعل التوسع العمراني، وتغير المناخ، وتدهور التربة، والضغط على المياه، والتصحر، وتوسع الزراعة التجارية. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: كم تملك إفريقيا من الأراضي الصالحة للزراعة؟ بل،من يملك هذه الأرض؟ ومن يستخدمها؟ ولأي غرض؟ ومن يستفيد من قيمتها الاقتصادية؟
أرض واسعة..لكن ليست بلا حدود
غالباً ما تُقدَّم إفريقيا باعتبارها القارة التي ما زالت تمتلك احتياطيات ضخمة من الأراضي الزراعية غير المستغلة. لكن هذه الصورة تحتاج إلى قدر كبير من التدقيق. فالأرض التي تبدو «فارغة» على الخرائط قد تكون مستخدمة فعلياً من طرف مزارعين محليين أو رعاة متنقلين، أو تشكل جزءاً من أنظمة بيئية هشة، أو ترتبط بحقوق عرفية لا تظهر في السجلات العقارية الرسمية.
وهنا تكمن إحدى أعقد مشكلات إدارة الأراضي الإفريقية: الفارق بين الملكية القانونية والملكية الفعلية. ففي مناطق واسعة من القارة، لا تزال حقوق الانتفاع بالأرض مرتبطة بالأعراف والمجتمعات المحلية أكثر من ارتباطها بسجلات ملكية حديثة. وعندما تدخل استثمارات كبيرة إلى هذه المناطق، يمكن أن تنشأ فجوة بين ما تعتبره الدولة «أرضاً متاحة للاستثمار» وما تعتبره المجتمعات المحلية أرضاً مرتبطة بتاريخها وسبل عيشها.
التوسع الزراعي..ضرورة أم تهديد؟
لا تستطيع إفريقيا مواجهة احتياجاتها الغذائية من دون توسيع إنتاجها الزراعي. لكن التحدي يكمن في كيفية التوسع. فالتوسع الأفقي، القائم على تحويل المزيد من الغابات والمراعي والأراضي الطبيعية إلى حقول، قد يرفع الإنتاج على المدى القصير، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى خسارة التنوع البيولوجي، وتدهور التربة، وزيادة انبعاثات الكربون، وإضعاف قدرة النظم البيئية على مقاومة الجفاف. ولهذا تتجه الأدبيات الزراعية الحديثة نحو مفهوم مختلف: الإنتاج أكثر من الأرض نفسها، وليس بالضرورة استخدام أرض أكثر للإنتاج. أي رفع إنتاجية الهكتار الواحد من خلال الري الذكي، وتحسين البذور، والتسميد المتوازن، والميكنة، والزراعة الدقيقة، وتقنيات حفظ التربة.
وهذا التحول قد يكون حاسماً بالنسبة لإفريقيا، لأن المعركة المقبلة لن تكون فقط على مساحة الأراضي، وإنما على إنتاجية الأرض وقدرتها على الاستمرار.
التربة..الثروة التي لا تظهر في الحسابات
حين نتحدث عن الأمن الغذائي، غالباً ما نتحدث عن الأرض وكأنها مجرد مساحة. لكن الأرض الزراعية ليست شيئاً ثابتاً. إنها نظام حي. وتدهور التربة يعني تراجع قدرتها على إنتاج الغذاء، وارتفاع الحاجة إلى الأسمدة والمياه، وزيادة هشاشة المحاصيل أمام الجفاف.
وتشير منظمة الأغذية والزراعة إلى أن التدهور الواسع للتربة يمثل تحدياً متزايداً للأمن الغذائي، وأن الإدارة المستدامة للتربة أصبحت عنصراً أساسياً في حماية الإنتاج الزراعي على المدى الطويل.
وفي إفريقيا، تزداد المشكلة تعقيداً بسبب التصحر وتعرية التربة والاستغلال المفرط للأراضي، خصوصاً في المناطق الجافة وشبه الجافة. وهنا تظهر معادلة خطيرة: كلما ارتفع الضغط على الأرض لإنتاج غذاء أكثر، ارتفع خطر استنزاف الأرض نفسها إذا لم تتغير طرق الإنتاج.
الاستثمار الأجنبي..فرصة أم استحواذ؟
هنا نصل إلى أكثر أجزاء الملف حساسية. فإفريقيا تحتاج إلى الاستثمار. تحتاج إلى رأس المال، والتكنولوجيا، وشبكات الري، والآلات، والتخزين، وسلاسل التبريد، والموانئ، والتصنيع الغذائي. ومن دون هذه الاستثمارات سيكون من الصعب تحويل الإمكانات الزراعية الهائلة إلى قوة إنتاجية حقيقية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثمار من شراكة لتنمية الأرض إلى مجرد امتلاك أو استغلال طويل الأجل للأراضي والموارد، مع محدودية استفادة المجتمعات المحلية. ومنذ أزمة الغذاء العالمية في 2007-2008، شهد العالم ارتفاعاً ملحوظاً في اهتمام المستثمرين والدول والشركات بالأراضي الزراعية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وظهرت آنذاك موجة من صفقات الأراضي الزراعية الكبرى، دفعتها مخاوف تتعلق بالأمن الغذائي، والاستثمار، وإنتاج الوقود الحيوي، والبحث عن موارد جديدة.
لكن كثيراً من هذه الصفقات أثار أسئلة حول حقوق السكان المحليين، وشفافية العقود، والتعويضات، والآثار البيئية والاجتماعية.
عندما تصبح الأرض سلعة استراتيجية
الأرض الزراعية تختلف عن أي أصل اقتصادي آخر. فامتلاك مصنع يعني امتلاك وسيلة للإنتاج. أما السيطرة على الأرض الزراعية فتعني، في حالات معينة، السيطرة على جزء من سلسلة إنتاج الغذاء نفسها. ولهذا أصبحت الأرض في إفريقيا جزءاً من الحسابات الجيوسياسية الجديدة. فالدولة أو الشركة التي تستثمر في الأرض لا تبحث بالضرورة فقط عن الربح من المحاصيل.
قد تبحث أيضاً عن ضمان إمدادات غذائية طويلة الأمد. تأمين المواد الأولية للصناعات الغذائية. الوصول إلى المياه.إنتاج المحاصيل التصديرية. تأمين مواقع استراتيجية لسلاسل الإمداد. الاستفادة من ارتفاع قيمة الأراضي مستقبلاً. وهنا تتحول الأرض من مورد محلي إلى أصل استراتيجي في الاقتصاد العالمي.
الصين والخليج وأوروبا..سباق المصالح الزراعية
شهدت القارة خلال السنوات الماضية اهتماماً متزايداً من مستثمرين آسيويين وخليجيين وأوروبيين وغيرهم بالزراعة الإفريقية. لكن من المهم عدم وضع جميع هذه الاستثمارات في سلة واحدة. فبعضها يرتبط بإنتاج الغذاء للسوق المحلية، وبعضها بالتصدير، وبعضها بالصناعات التحويلية، وبعضها بمشروعات البنية التحتية أو الأمن الغذائي للمستثمر نفسه.
المشكلة ليست في هوية المستثمر بقدر ما هي في طبيعة العقد، وحقوق المجتمع المحلي، وحجم القيمة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني. ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس، هل يجب أن تستقبل إفريقيا الاستثمار الزراعي الأجنبي؟ بل، كيف تستقبل إفريقيا هذا الاستثمار بشروط تجعل منه رافعة للسيادة الغذائية وليس بديلاً عنها؟
من الاستحواذ على الأرض إلى الشراكة على الأرض
الاستثمار الزراعي الأجنبي يمكن أن يتحول إلى قوة إيجابية إذا ارتبط بشروط واضحة. فبدلاً من منح مساحات واسعة لعقود طويلة دون قيمة مضافة محلية، يمكن للدول الإفريقية أن تربط الاستثمارات بـنقل التكنولوجيا، وتشغيل اليد العاملة المحلية، وتصنيع المنتجات داخل البلد، وتطوير البنية التحتية، وتوفير جزء من الإنتاج للسوق الوطنية، وحماية الموارد المائية، وإشراك المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار. بهذا تتحول الأرض من مجرد أصل مؤجَّر إلى منصة لتنمية الاقتصاد المحلي. وهنا تكمن إحدى أهم دروس التجربة الإفريقية: المشكلة ليست في دخول رأس المال الأجنبي، وإنما في شروط دخوله.
صغار المزارعين..أصحاب الأرض الذين لا يملكون القوة
هناك جانب آخر من المعادلة لا يمكن تجاهله. فالغذاء الإفريقي يعتمد بدرجة كبيرة على صغار المزارعين والأسر الريفية. لكن هؤلاء غالباً ما يواجهون صعوبات في الوصول إلى التمويل، والبذور المحسنة، والأسمدة، والتكنولوجيا، والأسواق، والتأمين الزراعي.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن يجد المزارع الصغير نفسه أمام منافسة متزايدة من الزراعة التجارية واسعة النطاق. وهنا يصبح الدفاع عن صغار المزارعين ليس قضية اجتماعية فقط، بل جزءاً من استراتيجية الأمن الغذائي. فإذا فقد المزارع أرضه أو هجرها، فإن إفريقيا لا تخسر فقط دخلاً محلياً؛ بل تخسر جزءاً من قدرتها على إنتاج غذائها.
الأرض والماء..ثروة واحدة
لا يمكن فصل ملف الأرض عن ملف المياه. فالأرض الزراعية لا قيمة إنتاجية حقيقية لها من دون مورد مائي مستدام. وهذا ما يجعل بعض الاستثمارات الزراعية الكبرى أكثر حساسية من غيرها. فعندما تنتقل ملكية أو حقوق استغلال مساحة زراعية واسعة، فإن الأمر قد يعني عملياً الوصول إلى موارد مائية مرتبطة بها. ومن هنا يظهر مفهوم متزايد الأهمية في الاقتصاد السياسي للموارد”بصمة الماء” للغذاء، فالمحصول الذي يُنتج للتصدير لا يحمل معه فقط قيمة الأرض والعمل، بل يحمل أيضاً كمية المياه التي استُخدمت لإنتاجه.
وهذا يجعل تصدير بعض المحاصيل من المناطق التي تعاني أصلاً من ندرة المياه قضية تتجاوز التجارة إلى الأمن المائي.
السيادة الغذائية تبدأ من السيادة على القرار
في النهاية، لا تعني السيادة الغذائية أن ترفض إفريقيا الاستثمار الأجنبي أو التجارة الدولية. فالاقتصادات الحديثة لا يمكنها أن تعيش في عزلة. لكن السيادة الغذائية تعني أن تملك الدولة القدرة على اتخاذ القرار بشأن ما الذي يُزرع؟ وأين؟ وبأي كمية؟ ولمن يُنتج؟ وكيف تُستخدم المياه؟ ومن يستفيد من العائد؟
وهذا يتطلب سياسات واضحة للأراضي، وسجلات عقارية شفافة، وحماية حقوق المجتمعات المحلية، وتقييمات بيئية حقيقية، وربط الاستثمار الزراعي بالتنمية الصناعية والغذائية.
فالأرض التي تنتج القمح دون أن تطعم سكانها، أو الأرض التي تنتج محاصيل تصديرية بينما تستورد الدولة غذاءها الأساسي، تطرح سؤالاً عميقاً حول معنى الأمن الغذائي.
ما وراء الخبر
في معركة المستقبل، لن يكون السؤال فقط، من يملك النفط؟ ومن يملك المعادن؟ بل سيضاف إليه سؤال أكثر حساسية. من يملك الأرض التي تنتج الغذاء؟
لقد بدأت الأرض الإفريقية تدخل مرحلة جديدة من التنافس، ليس فقط بين المزارعين والمستثمرين، وإنما بين احتياجات السكان المحلية وحسابات الأسواق العالمية.
ولهذا فإن حماية الأرض لا تعني تجميد الاستثمار، كما أن فتحها أمام الاستثمار لا ينبغي أن يعني التفريط في السيادة.
المعادلة الأكثر عقلانية هي استثمار أجنبي نعم، لكن بشروط إفريقية. تكنولوجيا نعم، لكن لنقل المعرفة.
تصدير نعم، لكن بعد تأمين الغذاء المحلي. استغلال الأرض نعم، لكن دون استنزاف الماء والتربة.
فإذا كانت المعادن الاستراتيجية قد جعلت العالم ينظر إلى باطن إفريقيا بحثاً عن ثروات الثورة الصناعية الجديدة، فإن الأمن الغذائي سيدفعه إلى النظر أكثر فأكثر إلى سطح إفريقيا: أرضها، ومياهها، وحقولها.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية، هل تستطيع إفريقيا أن تجعل أرضها ملكاً لمستقبلها، لا مجرد أصلاً في حسابات الآخرين؟
في الفصل المقبل من «ملفات الحدث الإفريقي» ننتقل إلى العنصر الذي لا يمكن أن تقوم الزراعة بدونه؛ الماء..المعركة الصامتة القادمة. من يمتلك الماء في إفريقيا؟ وكيف ستعيد الأنهار والسدود والمياه الجوفية رسم خرائط القوة في القارة؟ وهل يمكن أن يتحول الأمن المائي إلى الوجه الآخر للأمن الغذائي؟
نقرأ إفريقيا من الرباط..ونقرأ العالم من إفريقيا



