ربيعُ القلقِ ونوبة الهلع..حين تضيق الأرض بما رحبت

السعودية : ديمة الشريف
تجري الأيامُ في دورتها الرتيبة، وتتراكمُ ضغوطاتُ الحياةِ اليوميةِ كغبارٍ ناعمٍ لا نكادُ نأبهُ له في البدء، لكنه يتكدسُ فوق الروحِ حتى يُثقِلَ كاهلها. في زاويةٍ من هذا العالم الصاخب، يقف الشاب “ربيع”؛ اسمٌ يحملُ في طياته وعودَ التفتح، والبهجة، والنماء.
لكن ربيعاً اليومَ يواجهُ شتاءً مفاجئاً وقاسياً، شتاءً لا يأتي بالثلجِ والمطر، بل يأتيه على هيئة “نوبة هلع” تباغتهُ وسط زحام العيش، وتقلبُ أمنهُ خوفاً، وطمأنينتهُ رعباً مستبداً.إن نوبةَ الهلع ليست مجرد قلق عابر، وليست دلالةَ ضعفٍ أو قلةِ حيلة، بل هي زلزالٌ نفسي وجسدي عنيف.
في لحظةٍ واحدة، يفقد الجسد لغته المعتادة؛ فتتسارع نبضات القلب كطبول حربٍ تدق بلا هوادة، وتضيق الأنفاس حتى يخال للمرء أن الهواء قد نفد من الكوكب، وتتصلب الأطراف، وتجتاح العقل فكرة مرعبة واحدة: “إنها النهاية”. في تلك الدقائق المعدودات، يغترب ربيع عن نفسه وعن محيطه، ويصبح في أمسّ الحاجة إلى يدٍ حانية تمتد إليه لتنتشله من قاع ذلك اليمّ المظلم.لأجل ربيع، ولأجل كل الأرواح النبيلة التي تتقاسم معه هذا الوجع الصامت، نكتب اليوم مستصرخين فينا قيم الإنسانية والرحمة.
“كونوا مع الذين يتعرضون لذلك”.. إن الوجود الصادق إلى جوار المتألم هو نصف الشفاء. لا تتركوا من تحبون وحيدين في عواصفهم الداخلية؛ فالعزلة في وقت الأزمة تضاعف من وحشة الدرب وقسوة المعاناة.”تلطفوا بكلماتكم”.. للكلمة الطيبة في تلك اللحظات مفعول السحر.
الكلمات الصادقة، الهادئة، والخالية من الأحكام هي الحبال السحرية التي تعيد المذعور إلى أرض الأمان. تجنبوا عبارات اللوم العشوائية أو الاستخفاف بالوجع مثل “أنت تبالغ” أو “الأمر لا يستدعي كل هذا”. بدلاً من ذلك، همسوا في آذانهم بكلماتٍ تُشعرهم بالوجود والأمان: “أنا هنا معك.. لست وحدك.. هذا الخوف سيمر كما مرت غيوم كثيرة من قبل”.
إن نبرة الصوت الواثقة والمستقرة تمنح الروح المتعبة وطناً تلجأ إليه عندما تضيق بها الجهات الأربع.”اعتنوا جيداً بهم”.. إن الرعاية ليست مجرد شعور عاطفي، بل هي سلوك واعٍ وفعل مستمر.
تبدأ الرعاية بتهيئة بيئة آمنة تحمي ربيعاً من مسببات الضغط والتوتر، وتمتد لتشمل مرافقتهم بلطف نحو سبل العلاج والتعافي، سواء كان ذلك عبر تنظيم نمط الحياة، أو ممارسة رياضة التنفس، أو تشجيعهم على استشارة المختصين دون خجل أو تردد.
الاعتناء يعني أن نكون الملاذ الهادئ، والكتف الثابت، والقلب المتسع الذي يستوعب تقلبات الفصول في حيواتهم.سيبقَى ربيع ربيعاً، وسيورق الأمل في قلبه مجدداً ما دام هناك حوله من يؤمن بنبله، ويتلطف بكلماته، ويعتني به اعتناء المحب المشفق. فلنكن جميعاً ذلك النور الذي يبدد عتمة المخاوف، وتلك اليد التي تبني جسور الطمأنينة في قلوبٍ أنهكتها تفاصيل الحياة.



