المأمورية الثالثة وملف الصحراء يختبران خيارات موريتانيا تجاه المغرب

تدخل موريتانيا مرحلة سياسية دقيقة تتقاطع فيها رهانات الداخل مع التحولات المتسارعة في محيطها الإقليمي، في وقت يقترب فيه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من نهاية ولايته، وسط استمرار النقاش بشأن مستقبل التداول على السلطة، وبالتوازي مع تساؤلات متزايدة حول طبيعة الموقف الموريتاني من قضية الصحراء والعلاقات مع المغرب والجزائر.
ويظل الحديث عن احتمال ولاية رئاسية ثالثة من أبرز الملفات التي تستقطب النقاش السياسي في نواكشوط، رغم عدم إعلان الغزواني، إلى حدود الآن، رغبته في الترشح لولاية إضافية. ويعكس استمرار تداول هذا الطرح حالة من الترقب بشأن مستقبل الحكم، خصوصا في ظل عدم بروز شخصية حاسمة داخل معسكر الأغلبية يمكن أن تُقدَّم باعتبارها الخليفة الطبيعي للرئيس الحالي.
ولا تقتصر أهمية هذا النقاش على مستقبل شخص الرئيس، بل تمتد إلى طبيعة المسار السياسي الذي ستسلكه البلاد بعد نهاية ولايته، ومدى قدرة النظام السياسي على ضمان انتقال سلس للسلطة والحفاظ على تماسك الأغلبية في مرحلة ما بعد الغزواني.
ملف الصحراء.. اختبار آخر
بالتوازي مع الاستحقاق الداخلي، يبرز ملف العلاقات المغربية الموريتانية باعتباره أحد الملفات الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها قضية الصحراء على المستويين الإقليمي والدولي.
وقد اعتمدت نواكشوط خلال السنوات الماضية سياسة توصف بـ”الحياد الإيجابي”، حافظت من خلالها على علاقات مع المغرب، وفي الوقت ذاته أبقت قنوات التواصل مفتوحة مع الجزائر، متجنبة الدخول في اصطفاف مباشر داخل النزاع الإقليمي.
غير أن التطورات التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تنامي العلاقات الاقتصادية والأمنية بين الرباط ونواكشوط، تطرح تساؤلات بشأن إمكانية إعادة ضبط هذه السياسة، خصوصا مع تنامي الحديث عن المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسا لتسوية سياسية للنزاع.
ويرى متابعون أن أي انتقال موريتاني نحو موقف أكثر وضوحا تجاه المقترح المغربي سيكون ذا دلالة سياسية مهمة، بالنظر إلى الموقع الجغرافي والاستراتيجي لموريتانيا، وعلاقاتها التاريخية مع مختلف أطراف المنطقة.
المغرب وموريتانيا.. مصالح متشابكة
وتفرض الجغرافيا والتجارة والأمن واقعاً جديداً على العلاقات بين المغرب وموريتانيا، حيث أصبح التعاون بين البلدين أكثر ارتباطا بحركة المبادلات التجارية والربط الإقليمي والأمن الحدودي، فضلا عن موقع موريتانيا كبوابة مهمة نحو غرب إفريقيا.
وفي هذا السياق، يرى حسنا انداح الكيحل، أحد أعيان قبائل الجنوب، أن المرحلة المقبلة تفرض على نواكشوط قراءة التحولات الإقليمية بعناية، معتبرا أن استمرار الاكتفاء بالحياد قد يصبح أكثر صعوبة في ظل التطورات التي تعرفها قضية الصحراء.
ويشير الكيحل إلى أن انخراط موريتانيا في المسار الأممي والبحث عن حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق يمكن أن يشكل أرضية لتقارب أكبر مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث قطيعة مع الجزائر أو انقلابا مفاجئا في السياسة الخارجية الموريتانية.
كما يبرز المتحدث أهمية العلاقات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية بين الرباط ونواكشوط، معتبرا أن المصالح المشتركة قد تدفع البلدين نحو مزيد من التنسيق خلال المرحلة المقبلة.
من يخلف الغزواني؟
وفي الجانب السياسي الداخلي، يظل السؤال الأكثر إلحاحا هو هوية الشخصية التي يمكن أن تخلف الغزواني في حال انتهاء ولايته دون تعديل قواعد التداول على السلطة.
وفي هذا السياق، يبرز اسم وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين ولد لحويرثي ضمن الشخصيات التي تحظى باهتمام في النقاش المتعلق بمرحلة ما بعد الغزواني، بالنظر إلى قربه من دوائر القرار وموقعه داخل الأغلبية الحاكمة.
غير أن الحديث عن الخلافة لا يزال سابقا لأوانه، في ظل استمرار التحولات السياسية وعدم وجود إعلان رسمي بشأن طبيعة الترتيبات التي ستسبق المرحلة المقبلة.
هل تتغير سياسة نواكشوط؟
من جانبه، يرى الصحافي الموريتاني المهتم بالشأن المغاربي الشيخ أحمد أمين أن الغزواني تمكن، خلال سنوات حكمه، من الحفاظ على مسافة متوازنة بين المغرب والجزائر، وهو ما سمح لموريتانيا بتجنب الانخراط في الاستقطاب الحاد بين البلدين.
ويعتبر أن التحولات الإقليمية قد تجعل الحفاظ على هذه المعادلة أكثر صعوبة، خصوصا مع تزايد الحضور المغربي في إفريقيا وتطور موقف عدد من الدول من قضية الصحراء.
وبحسب هذا الطرح، فإن أي تقارب موريتاني أكبر مع الموقف المغربي يمكن أن يتم تدريجيا، من خلال دعم حل سياسي واقعي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قنوات التواصل مع الجزائر، بما يضمن لنواكشوط هامشا من المناورة ويحافظ على مصالحها الاستراتيجية.
مرحلة مفصلية
وبين سؤال الولاية الثالثة ومستقبل الموقف من قضية الصحراء، تبدو الأشهر الأخيرة من عهد الغزواني محكومة باستحقاقات تتجاوز شخص الرئيس إلى طبيعة الإرث الذي سيتركه وراءه.
فإذا حُسمت مسألة التداول على السلطة وفق المسار الدستوري، سيكون التحدي أمام النظام الموريتاني هو ضمان انتقال سياسي مستقر والحفاظ على تماسك الأغلبية.
أما على المستوى الخارجي، فإن استمرار سياسة الحياد الإيجابي أو الانتقال التدريجي نحو موقف أكثر وضوحا من المبادرة المغربية للحكم الذاتي سيشكل أحد أبرز المؤشرات على اتجاه السياسة الخارجية الموريتانية في المرحلة المقبلة.
وفي جميع الحالات، يبدو أن نواكشوط ستواصل التعامل بحذر مع التوازنات المغاربية، بالنظر إلى حساسية موقعها بين المغرب والجزائر، وإلى ارتباط أمنها واستقرارها ومصالحها الاقتصادية بعلاقاتها مع محيطها الإقليمي.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بمستقبل الغزواني السياسي، وإنما أيضا بموقع موريتانيا في الخريطة المغاربية الجديدة: هل ستواصل سياسة الحياد المتوازن، أم ستقترب تدريجيا من الرباط في ملف الصحراء، مع الإبقاء على جسور التواصل مع الجزائر؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد كبير، ملامح إرث الغزواني وموقع موريتانيا في التوازنات الإقليمية خلال السنوات المقبلة.



