في محراب المجد والقهوة: اليمن السعيد.. سيرة اللين والبن

بقلم : ديمة الشريف- السعودية
حين يتهجى التاريخ حروف الأصالة، تشرق من بين السطور أربعة أحرف تلخص حكاية الأرض والبشر والزمان: “اليمن”. ذلك الوطن الذي لم يكن يوماً مجرد بقعة على خارطة الجغرافيا، بل هو فكرة الوجود الأولى، ومنبع الحكمة، وأرض “البركة والخير” التي اشتُق منها اسمه؛ “اليُمن”.
في جباله الشامخة المعلقة بستر الغيم، وفي وديانه الخصيبة التي تروي عطش التاريخ، تتجلى ثلاثية إنسانية وحضارية فريدة، اجتمعت فيها بركة الأرض، ورقّة الطبع، وسحر المذاق، لترسم لوحة وطنٍ يُعرف بـ (اليمن، واللين، والبن).
تبدأ الحكاية من “اللين”، تلك السجية العجيبة التي تسكن قلوب أهل اليمن. فبالرغم من قسوة التضاريس، وصلابة الصخور، وشموخ القمم التي تحتضن قراهم، إلا أن النفوس هناك قُدّت من حنان خالص ورحمة آسرة. إنه “اللين” الذي باركه التاريخ والنبؤات، حين وُصفوا بأنهم “أرق قلوباً وألين أفئدة”. اللين في اليمن ليس ضعفاً، بل هو ذروة القوة والترفع، يتجلى في ابتسامة يمنية دافئة تمحو عن الغريب وعثاء السفر، وفي ترحابٍ حار يفيض كرماً وتواضعاً.
الإنسان اليمني كأرضه؛ يملك شموخ الجبال العاتية، لكنه يحمل في جوانحه رقة النسمة الصباحية التي تداعب مدرجات السنابل، وحسن معشرٍ يجعل من لقائه تجربة تعلق بالذاكرة ولا تنسى.
ومن تزاوج هذه الرقة الإنسانية مع طهر التربة البركانية، تولد أعظم أعطيات هذه الأرض للعالم: “البُن”.
في المدرجات الجبلية العالية، حيث يلتقي الضباب بالشمس في عناق يومي فريد، يزرع اليمانيون شجيرات البن بحبٍ وصبر أشبه بتربية الأبناء. “الذهب البني” اليمني ليس مجرد محصول زراعي، بل هو هوية وثقافة، وسفيرٌ سافر بالعالم من ميناء “المخا” العتيق ليعلم البشرية طقوس الصباح.
حبة البن اليمانية مشبعة برائحة الطين، ونكهة المطر، وعرق الجبين السمراء. وحين يُصنع منها الفنجان، يفوح شذاها كترنيمة صوفية تسافر بالروح، لتمتزج مرارة القهوة الأصيلة بحلاوة اللين والترحاب في المجالس اليمانية التي لا تغلق أبوابها.
إنها الثلاثية التي لا تنفصم؛ “اليمن” موطن البركة والبدايات، و”اللين” طبيعة النفوس وسر القلوب، و”البن” رسول المزاج والدفء إلى العالم. هكذا يبقى اليمن سعيداً بأهله، عريقاً بقهوته، خالداً بطباعه التي لم تغيرها عاديات الزمن.



