أخبارالرئيسيةفي الصميم

سيكولوجية الناخب المغربي ومحددات التصويت في المغرب 5/1

على ضوء انتخابات 23 شتنبر 2026

بقلم: كريم الشرقاوي

مقدمة

لم تعد الانتخابات في المغرب مجرد آلية دستورية لتداول السلطة التنفيذية وتجديد النخب السياسية، بل إن قراءتها من منظور علم الاجتماع السياسي وعلم النفس الاجتماعي تؤكد أنها أعمق بكثير من مجرد إجراء إداري تقني، إذ تشكل مرآة تعكس تحولات صامتة في وعي المواطن المغربي تطفو الى السطح عقب كل استحقاق إنخابي.

فالتوجه إلى صندوق الاقتراع، أو مقاطعته عن قناعة، ليس سلوكاً روتينياً عابراً، بقدر ما هو تعبير صامت عن تراكم مركب من التجارب السابقة، والانتظارات، والخيبات المتتالية مع الفعل السياسي و وقعه الإجتماعي و الإقتصادي.

واليوم، ومع اقتراب اقتراع 23 شتنبر 2026 المعلن بموجب المرسوم الحكومي رقم 2.26.190 وسط عبء مالي واستعدادات تنظيمية واسعة، يطرح السؤال السوسيولوجي نفسه مجدداً: من هو الناخب المغربي اليوم؟ هل ما زال كتلة جامدة تُحرّكها الشعارات الحزبية التقليدية والولاءات القبلية وسماسرة الانتخابات؟ أم أضحى فاعلاً واعياً أكثر نقداً وانتقائية؟ أم أنه بات هجيناً يجمع بين هذا وذاك؟

يحاول هذا المقال أن يفكك، بشيء من الهدوء والتروي، البنية النفسية والاجتماعية التي يبني عليها الناخب المغربي قراره الانتخابي، في أفق استحقاق 23 شتنبر 2026 المقرر لتجديد 395 مقعداً بمجلس النواب (في مقابل 31.993 مقعداً على مستوى المجالس الجماعية عبر مختلف جماعات المملكة، و1.365 مقعداً بمجالس العمالات والأقاليم، وفق نتائج الاستحقاق الجماعي لسنة 2021). وينطلق التحليل من فرضية بسيطة: أن سلوك التصويت في المغرب يعيش اليوم مرحلة انتقالية بين نمطين متجاورين أكثر مما هما متعارضان كلياً: نمط “الولاء” التقليدي القائم على الروابط الزبائنية، القبلية والانتماء الحزبي وسماسرة الانتخابات، ونمط “التقييم البراغماتي” الذي يقيس فعل الأحزاب بمردوديته الفعلية على الحياة اليومية للمواطن. وثمة ثلاث جبهات تتنازع اليوم وعي هذا الناخب: شبكة العلاقات المحلية والزبائنية من جهة، والأثر الملموس للسياسات العمومية من جهة ثانية، والوعي الرقمي الصاعد لدى فئة الشباب من جهة ثالثة، في وقت يبقى فيه العزوف الانتخابي أحد أبرز التحديات البنيوية لشرعية العملية الديمقراطية بالمغرب.

أولاً: من هو الناخب المغربي اليوم؟ الملامح النفسية والسلوكية المتأرجحة

لا تُبنى سيكولوجية الناخب المغربي من فراغ؛ إنها نسيج من تمثلات ذهنية وانفعالية تتأرجح بين الثقة والتشكيك، تتقاطع فيه عوامل موضوعية صرفة ، كالوضع الاقتصادي وجودة الخدمات العمومية، مع عوامل أكثر ذاتية وحميمية: الإحباط، بقايا الأمل، والشعور بالانتماء أو، على العكس، بالإقصاء.

1.1. تراجع الولاء لأيديولوجية معينة: أو حين تفقد الأيديولوجيا سطوتها التعبوية

فقدت الأيديولوجيات الكبرى (التيار الإسلامي، واليساري، والليبرالي) جزءاً كبيراً من قدرتها على التعبئة السياسية الحادة التي ميّزت عقوداً سابقة من الزمن. لم يعد الحسم الأيديولوجي وحده كافياً لحشد الناخب؛ فهذا الأخير بات ينظر إلى العمل السياسي بمنظار أكثر عملية: هل تنجح هذه البرامج في معالجة إشكالاته اليومية الملموسة؟ الصحة، التعليم، فرص الشغل، القدرة الشرائية… خاصة بعد خيبة الأمل من خلال تجربتي حكومة التناوب وتيار الإسلام السياسي. إلا أن هذا لا يعني أن الأيديولوجيا ماتت أو فقدت مكانتها كلياً، بل إنها أُعيد توظيفها كإطار مرجعي ثانوي، يُستحضر فقط عند تعادل الخيارات أو خلال الحركات الاحتجاجية بين استحقاقين، دون أن تشكل بمفردها قوة فعل أو محدداً حاسماً لنتائج صناديق الاقتراع في ظل هيمنة منطق الفعالية الإدارية وتقييم المردودية التنموية.

1.2. حين يصبح الصمت موقفاً: سيكولوجية العزوف والمقاطعة

من أبرز ملامح الناخب المغربي الراهن أنه، ببساطة، كثيراً ما يختار ألا يصوت سواء من خلال الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات أو بناءً على قناعات شخصية وتراكمات إحباطية. والعزوف هنا ليس غياباً محايداً، بل هو في الغالب موقف سياسي سلبي، أو إحباط متراكم، ناتج عما يراه المواطن “ضعف أثر التناوب الحزبي على واقع حياته اليومية” أو “فقدان الثقة في الأحزاب والمؤسسات النيابية”. ووفق معطيات كشف عنها فاعلون سياسيون وباحثون، فإن نحو 12 مليون مغربي في سن التصويت يوجدون أصلاً خارج اللوائح الانتخابية، وغالبيتهم من فئة الشباب، وهو مؤشر دال على اتساع دائرة العزوف وتراجع الثقة في الفعل الحزبي والمؤسسات المنتخبة. هذا الشعور بلاجدوى يجعل من تعبئة الناخبين التحدي الأكثر تعقيداً بالنسبة للأحزاب السياسية في أفق إستحقاقات 2026.

بالرجوع إلى نسب المشاركة والعزوف في اقتراعي 2016 و2021 – تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية عن تفاوت ملحوظ في منسوب المشاركة بين آخر استحقاقين تشريعيين: ففي انتخابات 7 أكتوبر 2016 لم تتجاوز نسبة المشاركة الوطنية سقف 42.29%، أي أن نسبة العزوف والامتناع عن التصويت بلغت نحو 57.71% من مجموع الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية. أما في اقتراع 8 شتنبر 2021، الذي جمع لأول مرة بين الاستحقاقات التشريعية والجهوية والجماعية في يوم واحد، فقد ارتفعت نسبة المشاركة إلى 50.18%، بمشاركة 8.789.676 ناخباً وناخبة، لتنخفض بذلك نسبة العزوف إلى ما يقارب 49.82%. ورغم هذا التحسن النسبي بفارق يناهز 7.89% بين الاستحقاقين، تظل نسبة الامتناع عن التصويت قريبة من نصف هيئة الناخبين، وهو ما يتفاقم إذا أخذنا بعين الاعتبار من لا يزالون خارج اللوائح الانتخابية أصلاً بالإضافة الى كون بعض المحللين قد عزوا ارتفاع نسبة المساركة الى دمج الإنتخابات التشريعية مع المحلية.

1.3. هندسة المشروعية الحسابية: أثر القاسم الانتخابي ووزن الصوت الصحيح

هذه المعطيات الرقمية تدفع بنا إلى طرح السؤال: كم صوتاً يقف فعلياً وراء كل منتخب؟ إذا انتقلنا من عدد المصوتين إلى عدد الأصوات الصحيحة المعبر عنها فعلياً، أي بعد استبعاد الأوراق الملغاة والبيضاء، يتضح أن العدد الفعلي للأصوات التي تُبنى عليها شرعية المنتخبين أقل من عدد المصوتين نفسه، وأقل بكثير من عدد المسجلين في اللوائح الإنتخابية : فمن أصل نحو 15.7 مليون مسجل سنة 2016 لم يُدلِ فعلياً بصوته الصحيح سوى ما يقارب 6.6 مليون ناخب، ومن أصل نحو 18 مليون مسجل سنة 2021 لم يتجاوز عدد المصوتين 8.79 مليون. والأدهى أن طريقة احتساب “القاسم الانتخابي”، المعيار الذي يحدد عدد المقاعد التي يفوز بها كل حزب، تغيّرت جوهرياً ابتداءً من استحقاق 2021: فبعدما ظل هذا القاسم يُحتسب استناداً إلى “الأصوات المعبر عنها” فقط (مع وجود نظام العتبة المتمثل في 6% سنة 2011 و3% سنة 2016)، أصبح يُحتسب استناداً إلى مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية، صوّتوا أم لم يفعلوا، مع إلغاء العتبة تماماً.

وينص التعديل الجديد للقانون التنظيمي لمجلس النواب على ما يلي: “توزع المقاعد على اللوائح بواسطة قاسم انتخابي يستخرج عن طريق قسمة عدد الناخبين المقيدين في الدائرة الانتخابية المعنية على عدد المقاعد المخصصة لها”. ومحاكاة لإعادة توزيع نتائج 2021 وفق الصيغة القديمة تكشف أن الأحزاب الثلاثة الأولى – التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال – كانت ستحصل مجتمعة على 37 مقعداً إضافياً لو اعتُمدت “الأصوات المعبر عنها” بدل “عدد المسجلين”. بعبارة أخرى: كل مقعد برلماني اليوم يستند، من الناحية الحسابية البحتة، إلى قاعدة تصويتية أضيق نسبياً مما توحي به أرقام المشاركة الإجمالية، وهو ما يغذي، لدى شريحة واسعة من الناخبين، الشعور بأن “صوتي لا يغيّر شيئاً”، وهو بالضبط جوهر أزمة الثقة التي نناقشها في النقطة الموالية.

1.4. اختراق الثقة الحزبية: تغليب الفردي والشخصي على البرامجي

يُظهر الشارع المغربي حذراً بنيوياً تجاه الوعود و البرامج الانتخابية التي أصبحت متشابهة في غالبيتها بين اليمين و اليسار، حذراً لم يعد يخفيه كثيرون. ويرتبط قرار التصويت، في ذهن قطاع واسع من المواطنين، بمدى مصداقية الأشخاص ” النخب الحزبية المحلية” وقربهم الفعلي من الساكنة، أكثر من ارتباطه بالانتماء التنظيمي للمرشح نفسه. هذا “العامل الشخصي”، كما تؤكده دراسات ميدانية في علم الاجتماع السياسي المغربي، ما زال ينافس قوة البرنامج الحزبي في العديد من الدوائر الانتخابية المحلية، وبخاصة في الوسط القروي وشبه الحضري، حيث يُقاس المرشح بمعيار “هل هو قريب مني؟” أكثر مما يُقاس ببرنامجه.

1.5. أزمة الثقة في الهيئات المنتخبة: حين يتحول التمثيل إلى شبهة منفعة

لكن أزمة الثقة لا تتوقف عند عتبة الأحزاب؛ إنما تمتد لتطال المؤسسة المنتخبة نفسها، بمجرد أن تتحول الوعود الانتخابية إلى تدبير فعلي للشأن العام أو المحلي. يعتبر عدد كبير من المغاربة أن الهيئات المنتخبة، جماعية كانت أم برلمانية، لا تسعى، بمجرد فوزها، إلا وراء المنفعة الخاصة، وأنها توظف مختلف المؤسسات والمواقع التي وصلت إليها بأصوات الناخبين لخدمة أعمالها ومصالحها الشخصية أو الفئوية. هذا الإحساس ليس مجرد انطباع عابر، بل قناعة متجذرة تتغذى من عدة مصادر متقاطعة:

  • المسافة بين الخطاب والممارسة: المرشح الذي يطرق الأبواب ويعد بحل مشاكل الحي أو الدوار سرعان ما “يختفي” بعد إعلان النتائج، ليعاود الظهور فقط عشية الاستحقاق الموالي وهي ظاهرة يصفها المواطنون بـ”الوعد الموسمي”.
  • تضارب المصالح: أصبح سمة ملازمة للمشهد المحلي في نظر الرأي العام، حيث يجمع المنتخب بين موقع القرار ومصالح اقتصادية وثيقة بالصفقات العمومية.
  • ضعف المساءلة والمحاسبة بين الاستحقاقات: يفتقد الناخب لأدوات المراقبة المباشرة أو سحب الثقة خلال الولاية الممتدة لخمس سنوات.
  • الفجوة التمثيلية: الفارق الحاد بين المسجلين والمصوتين الفعليين يضعف إحساس الناخب بكون المنتخب يعبر حقاً عن إرادة الأغلبية.

1.6. التمايز المفهومي: بين العزوف التلقائي والمقاطعة الواعية

تستدعي التحليلات السوسيولوجية الدقيقة التمييز بين ظاهرتين تتقاطعان في النتيجة وتختلفان في المنطلق السلوكي والأيديولوجي:

إذا كانت هذه العلاقات تبرر عزوف الناخب عن المشاركة في العملية الانتخابية، فإن هناك معطى آخر قد يختلف في تبريراته ولكنه يتقاطع في نتائجه، وهو دعوة بعض التيارات الحزبية والمدنية إلى مقاطعة الانتخابات. تُعد هذه الأخيرة ظاهرة سياسية واجتماعية مرتبطة بالعزوف الشعبي أو المواقف الاحتجاجية لهذه التنظيمات غير المشاركة، وتصطدم أحياناً بنقاشات قانونية حول حرية التعبير مقارنة بالنصوص الزجرية لمدونة الانتخابات التي تمنع الضغط على الناخبين للإمساك عن التصويت. والفرق بين عزوف الناخب والمقاطع يتمثل في كون الأول فقد الثقة “بعد أن منحها” في الأحزاب وممثليهم والمؤسسات المنتخبة، في حين أن الأشخاص الذين يقاطعون المسار الانتخابي بما فيه التسجيل في اللوائح الانتخابية ينطلقون من فرضية انعدام الديمقراطية وحرية التعبير وكون المؤسسات الحالية لا تخدم أجندة الشعب المغربي بقدر ما تخدم الفئة المتحكمة في دواليب السلطة. وبالتالي يجب التفريق بين سلوك المواطن الذي يقاطع الانتخابات بناءً على قناعات معبر عنها (وهو ما يُعتبر موقفا سياسيا إيجابيا في رفضه)، وسلوك المواطن العازف عن المشاركة باعتباره سلوكاً فردياً وانكفاءً ذاتياً يمكن تغييره لسبب ظرفي (ك الترشيح العائلي أو القبلي مثلاً).

  ( يتبع)

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button