جيل “زد” أمام سوق عمل جديد: عندما لم تعد الشهادة وحدها تكفي

يشهد سوق العمل العالمي واحدة من أكثر التحولات عمقاً منذ الثورة الصناعية. فالمشكلة لم تعد فقط في عدد الوظائف المتاحة، وإنما في طبيعة الوظائف نفسها، والمهارات المطلوبة للحصول عليها، وسرعة تغيرها.
جيل «زد»، الذي نشأ في بيئة رقمية مختلفة تماماً عن الأجيال السابقة، يدخل سوق العمل في لحظة تاريخية معقدة: الشركات تبحث عن الكفاءة والمرونة والقدرة على استخدام التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل آلاف المهام، بينما يواجه الشباب ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة على الاستقلال الاقتصادي.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الشباب أصبح أكثر تعليماً، لكن الحصول على وظيفة جيدة لم يصبح بالضرورة أسهل.
من أزمة البطالة إلى أزمة الانتقال من التعليم إلى العمل
تشير منظمة العمل الدولية إلى أن معدل بطالة الشباب عالمياً بلغ 13% سنة 2023، وهو أدنى مستوى خلال 15 سنة، لكن هذا الرقم الإيجابي يخفي مشكلات عميقة؛ إذ كان نحو 20% من الشباب خارج العمل والتعليم والتكوين، كما أن فرص الحصول على عمل مستقر ولائق ما زالت متفاوتة بشكل كبير بين الدول والمناطق.
إذن، لا يمكن اختزال أزمة الشباب في كلمة «البطالة».
هناك شاب يعمل، لكنه يعمل بعقد هش.
وهناك شاب يحمل شهادة جامعية لكنه يعمل في وظيفة لا علاقة لها بتخصصه.
وهناك شاب آخر يملك المهارات لكنه لا يستطيع الحصول على «الفرصة الأولى» بسبب غياب الخبرة.
وهناك من توقف عن الدراسة ولم يدخل سوق العمل أصلاً.
هذه الظاهرة الأخيرة، المعروفة عالمياً باسم NEET، تكشف جانباً خطيراً من الأزمة، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للشاب ليس فقط أن يكون عاطلاً، وإنما أن يجد نفسه خارج التعليم والعمل والتكوين لفترة طويلة.
الشهادة الجامعية لم تعد جواز مرور تلقائياً إلى الوظيفة
لسنوات طويلة، قامت العلاقة على معادلة بسيطة:
تعليم جيد + شهادة جامعية = وظيفة جيدة.
لكن هذه المعادلة بدأت تفقد صلاحيتها.
فالاقتصادات الحديثة لم تعد تحتاج فقط إلى أشخاص يعرفون المعلومات، وإنما إلى أشخاص يستطيعون تطبيق المعرفة، وتحليل المشكلات، واستخدام الأدوات الرقمية، والعمل ضمن فريق، والتعلم المستمر.
وتكشف منظمة العمل الدولية عن مفارقة مهمة: ارتفاع المستوى التعليمي لا يؤدي دائماً إلى زيادة فرص الحصول على وظيفة، خصوصاً في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث لا يتم خلق الوظائف ذات المهارات العالية بالسرعة الكافية لاستيعاب أعداد الخريجين.
وهنا تظهر مشكلة «عدم تطابق المهارات».
الجامعة قد تخرج آلاف الطلبة سنوياً، بينما الاقتصاد يحتاج إلى مهارات أخرى.
والنتيجة؟
شهادات أكثر، لكن وظائف مناسبة أقل.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي العمل… لكنه يعيد تعريفه
ربما يكون الذكاء الاصطناعي أكبر عامل تغيير في سوق العمل خلال السنوات المقبلة.
لكن الخطأ هو النظر إلى المسألة بمنطق ثنائي:
«إما أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على الوظائف، أو أنه لن يؤثر عليها.»
الحقيقة أكثر تعقيداً.
الذكاء الاصطناعي سيؤثر بدرجات مختلفة على المهام داخل الوظائف، وسيؤدي إلى اختفاء بعض المهام، وتغيير بعضها، وظهور مهام جديدة.
وتشير منظمة العمل الدولية في تحديثها لعام 2025 حول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أن مستوى التعرض المحتمل للذكاء الاصطناعي يختلف بصورة كبيرة حسب المهنة والمهام التي تتضمنها.
وهذا يعني أن السؤال الصحيح لم يعد:
هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟
بل:
أي جزء من وظيفتي يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام به؟ وما الجزء الذي يجب أن أكون أنا أفضل فيه؟
وهنا تكمن فرصة جيل «زد».
فالشاب الذي يتعلم استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لرفع إنتاجيته قد يصبح أكثر قدرة على المنافسة من شخص يمتلك نفس الشهادة لكنه لا يعرف كيف يستفيد من التكنولوجيا.
سوق العمل الجديد يبحث عن «المزيج» وليس عن مهارة واحدة
تقرير «مستقبل الوظائف 2025» للمنتدى الاقتصادي العالمي يرسم صورة واضحة للتحول المقبل؛ إذ يتوقع أصحاب العمل تزايد أهمية مهارات الذكاء الاصطناعي والبيانات، والأمن السيبراني، والثقافة التكنولوجية، إلى جانب التفكير الإبداعي والمرونة والقدرة على التعلم المستمر. كما ظل التفكير التحليلي من أبرز المهارات الأساسية المطلوبة.
وهذا يقودنا إلى مفهوم مهم:
الموظف الهجين.
أي الشخص الذي يجمع بين:
تخصص مهني واضح؛
مهارات رقمية؛
قدرة على تحليل المعلومات؛
استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي؛
مهارات التواصل؛
القدرة على حل المشكلات؛
المرونة والتكيف؛
والاستعداد للتعلم المستمر.
المستقبل لن يكون بالضرورة للمتخصص التقني وحده، ولا لصاحب الشهادة الأكاديمية وحده، وإنما لمن يستطيع الجمع بين المعرفة والتكنولوجيا والمهارات الإنسانية.
المشكلة الأعمق: «الخبرة الأولى»
هناك مفارقة قاسية يعيشها ملايين الشباب:
الشركة تطلب الخبرة للحصول على الوظيفة، والشاب يحتاج إلى الوظيفة لكي يحصل على الخبرة.
وهكذا تتحول «الوظيفة الأولى» إلى حاجز دخول.
ولهذا فإن التدريب المهني، والتدريب داخل الشركات، والتلمذة المهنية، والتدريب المؤدى عنه، والمشاريع التطبيقية، والعمل الحر والمقاولة، أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ومنظمة العمل الدولية تشير إلى أن برامج التدريب وتنمية المهارات ودعم ريادة الأعمال يمكن أن تحقق آثاراً أفضل في تحسين نتائج سوق العمل للشباب، خصوصاً عندما تجمع بين أكثر من مكون وتدمج المهارات التقنية والشخصية معاً.
التضخم يضاعف الأزمة
لو كانت المشكلة فقط في العثور على وظيفة، لكان الأمر أسهل.
لكن الشباب يواجه اليوم مشكلة ثانية: قيمة الدخل نفسه.
حتى عندما يحصل الشاب على وظيفة، قد لا يكون راتبه كافياً لتأسيس حياة مستقلة.
ارتفاع أسعار السكن، والنقل، والغذاء، والتعليم، والخدمات، يجعل الانتقال من مرحلة الدراسة إلى الاستقلال الاقتصادي أكثر صعوبة.
وبالتالي، أصبح السؤال بالنسبة إلى الشباب:
كيف أحصل على وظيفة؟
ثم:
كيف أحصل على وظيفة مستقرة؟
ثم:
هل هذا الدخل يسمح لي بتكوين أسرة وامتلاك مسكن وبناء مستقبل؟
وهنا تتحول أزمة التشغيل إلى أزمة اجتماعية وديموغرافية ونفسية أيضاً.
جيل «زد» لا يبحث فقط عن وظيفة… بل عن معنى
هناك تحول آخر لا يحظى بما يكفي من الاهتمام.
جيل «زد» أكثر استعداداً للتعامل مع العمل باعتباره جزءاً من حياته، وليس حياته كلها.
وهذا لا يعني أنه لا يريد العمل، وإنما يعني أن مفهومه عن العمل تغير.
يريد دخلاً، لكنه يريد أيضاً المرونة.
يريد الاستقرار، لكنه يريد التطور.
يريد مديراً، لكنه يريد بيئة عمل تحترم كفاءته.
يريد وظيفة، لكنه يريد أن يشعر بأن ما يقوم به له معنى.
وهذا يفرض على الشركات نفسها تغيير طريقة إدارتها للمواهب.
وماذا عن المغرب؟
المغرب ليس بعيداً عن هذه التحولات العالمية.
بل إن بعض التحديات تصبح أكثر حدة في الاقتصادات التي تعاني من فجوة بين مخرجات التعليم وحاجات الاقتصاد.
ومنظمة العمل الدولية تصنف المنطقة العربية وشمال إفريقيا ضمن المناطق التي ما تزال تواجه معدلات مرتفعة جداً من بطالة الشباب، كما أن عدم التوافق بين التعليم والوظائف يمثل تحدياً كبيراً.
وهنا يجب أن نطرح السؤال المغربي بصراحة:
هل نُعدّ شبابنا لوظائف الماضي أم لوظائف المستقبل؟
لأن سوق العمل لا ينتظر إصلاح التعليم.
التكنولوجيا تتقدم.
الشركات تتغير.
المهن تتغير.
والمنافسة أصبحت عالمية.
وقد يجد الشاب المغربي نفسه منافساً ليس فقط لخريج من مدينته، وإنما لشخص يعمل عن بعد من دولة أخرى.
المطلوب ليس تخويف الشباب من المستقبل
من الخطأ تقديم الذكاء الاصطناعي للشباب باعتباره «عدواً».
ومن الخطأ أيضاً طمأنتهم بأن كل شيء سيبقى كما هو.
الحقيقة أن المستقبل سيكون مختلفاً، لكن الاختلاف لا يعني بالضرورة الأسوأ.
التحولات الكبرى تدمر بعض الوظائف، لكنها تخلق وظائف ومهن وأسواقاً جديدة.
المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها.
المشكلة في أن يتغير الاقتصاد بسرعة أكبر من قدرة منظومة التعليم والتكوين على التكيف معه.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والآلة.
إنها بين:
إنسان يتعلم باستمرار، وإنسان يتوقف عن التعلم.
الحل يبدأ من تغيير فلسفة التعليم
لم يعد كافياً أن نقول للشاب:
«ادرس ثم ابحث عن وظيفة.»
ينبغي أن تصبح المعادلة:
تعلم → طبّق → جرّب → أخطئ → اكتسب خبرة → طوّر مهاراتك → أعد التعلم.
ويجب أن تصبح العلاقة بين الجامعة والمقاولة أكثر قوة.
فالجامعة يجب ألا تكون فقط مكاناً للحصول على الشهادة، بل فضاءً للابتكار والمشاريع والتجارب التطبيقية.
والمقاولة يجب ألا تنتظر خريجاً «جاهزاً بنسبة 100%»، بل ينبغي أن تشارك في تكوين المواهب التي تحتاج إليها.
كما ينبغي توسيع مسارات التكوين المهني والتقني، ودعم التدريب داخل المقاولات، وتسهيل ولوج الشباب إلى ريادة الأعمال، وربط برامج التكوين بحاجات القطاعات الاقتصادية الفعلية.
من «البحث عن وظيفة» إلى «بناء القيمة»
ربما يكون أهم تغيير يجب أن يستوعبه الشباب هو الانتقال من عقلية:
أريد وظيفة
إلى عقلية:
أريد أن أخلق قيمة.
وهذا لا يعني أن يصبح كل شاب مقاولاً.
فالاقتصاد يحتاج إلى الموظف، والتقني، والمهندس، والحرفي، والباحث، والممرض، والمدرس، والمبرمج، والمقاول.
لكن القاسم المشترك بينهم هو القدرة على تقديم قيمة حقيقية.
من يستطيع حل مشكلة، أو توفير الوقت، أو تخفيض التكلفة، أو تحسين الجودة، أو ابتكار خدمة، أو استخدام التكنولوجيا بطريقة أفضل، ستكون لديه قيمة في السوق.
الخلاصة: جيل «زد» أمام امتحان تاريخي
جيل «زد» ليس جيلاً كسولاً كما يصفه البعض، وليس جيلاً مدللاً كما يحاول البعض اختزاله.
إنه جيل دخل سوق العمل في واحدة من أكثر اللحظات اضطراباً في التاريخ الاقتصادي الحديث.
جيل يواجه منافسة عالمية، وتكنولوجيا متسارعة، وارتفاعاً في تكاليف الحياة، وتحولات في مفهوم الوظيفة، وتراجعاً في صلاحية بعض المسارات المهنية التقليدية.
لكن هذا الجيل يمتلك في المقابل أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة: الوصول الفوري إلى المعرفة، والعمل عن بعد، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والمنصات العالمية، وريادة الأعمال الرقمية.
لذلك فإن المعركة القادمة لن تكون حول من يملك الشهادة الأكبر، وإنما حول من يستطيع التعلم والتكيف وتحويل المعرفة إلى قيمة.
وفي النهاية، فإن مسؤولية المستقبل لا تقع على الشباب وحدهم.
الدولة مطالبة بإصلاح التعليم وسوق الشغل، والمقاولة مطالبة بالاستثمار في الكفاءات، والجامعة مطالبة بالانفتاح على الاقتصاد، والمجتمع مطالب بتغيير نظرته إلى المهن والتكوين، والشباب مطالب بدوره بأن يتحول من انتظار الفرصة إلى الاستعداد لصناعتها.
فالمشكلة ليست أن العمل يموت.
العمل يتغير.
والسؤال الحقيقي الذي سيحدد مستقبل جيل كامل هو:
هل سنُعدّ أبناءنا لهذا التغيير، أم سنتركهم يكتشفونه بعد فوات الأوان؟



