أخبارالرئيسيةتقارير وملفاتمغاربة العالم

آلاف الأندلسيين يعبرون الحدود نحو فرنسا لجني التفاح والعنب

ليست الهجرة العمالية ظاهرة مرتبطة فقط بالدول النامية، ولا قصة تسير دائما في اتجاه واحد من الجنوب إلى الشمال. مشهد آلاف العمال الإسبان، وخاصة الأندلسيين، وهم يغادرون مناطقهم نحو فرنسا للعمل في مواسم جني الفواكه والعنب، يعيد طرح سؤال الهجرة من زاوية مختلفة: حين يصبح فارق الأجر وشروط العمل أقوى من جغرافيا الوطن، يتحول العامل إلى مهاجر موسمي مهما كانت جنسيته.

في أغسطس 2026، يتوجه نحو 12 ألف عامل إسباني إلى شمال فرنسا للمشاركة في موسم جني التفاح، بينهم حوالي 9500 عامل أندلسي، أي نحو ثلاثة أرباع العمال الإسبان المشاركين في هذه العملية. ومع نهاية الشهر، ينتقل جزء منهم إلى موسم جني العنب. بعض هؤلاء العمال يكررون الرحلة منذ أكثر من ثلاثة عقود، في مسار يمتد لنحو 1600 كيلومتر.المعادلة تبدو بسيطة، لكنها تحمل دلالات اقتصادية واجتماعية عميقة، فالعامل الأندلسي لا يعبر الحدود بحثا عن مغامرة، وإنما عن دخل أفضل وفرصة عمل موسمية أكثر جاذبية.

ووفق المعطيات التي نشرتها قناة Canal Sur، يتجاوز الأجر الأساسي في هذه الأعمال 12.32 يورو للساعة، ويمكن للعامل أن يحصل على حوالي 2200 يورو إجمالا خلال الموسم، من دون احتساب الساعات الإضافية، وهي مداخيل وصفت بأنها تقارب ضعف ما يمكن تحقيقه في إسبانيا في بعض الأعمال الزراعية المماثلة. كما أن العقود تكون موقعة مسبقا، مع الإشارة إلى ظروف عمل جيدة نسبيا.

وهنا تكمن المفارقة، فإسبانيا نفسها تعد من أكبر البلدان الأوروبية استقبالا لليد العاملة المهاجرة في القطاع الزراعي، بينما يخرج جزء من عمالها إلى فرنسا عندما تصبح سوق العمل الفرنسية أكثر قدرة على دفع أجور أعلى.و الهجرة ليست دائما من الجنوب إلى الشمال، لطالما اختزلت الهجرة في صورة واحدة في عامل من بلد فقير يتجه إلى بلد غني.

لكن حركة العمال داخل أوروبا تكشف صورة أكثر تعقيدا. فالعامل الإسباني الذي يتوجه إلى فرنسا في موسم الحصاد يمارس شكلا من الهجرة الاقتصادية الموسمية، تماما كما يفعل عمال من بلدان أخرى عندما ينتقلون إلى دولة مجاورة بحثا عن فرصة أفضل.واللافت أن هذه الظاهرة ليست جديدة. فالمعطيات الرسمية للأندلس تشير إلى أن موسم جني العنب في فرنسا ظل تاريخيا عامل جذب مهما لليد العاملة الأندلسية، وأن آلاف العمال الأندلسيين شاركوا في مواسم سابقة في هذا النشاط.

كما تؤكد السلطات الأندلسية أهمية العقود النظامية في تنظيم العمل الموسمي وحماية حقوق العمال.و المفارقة الأبرز ان إسبانيا نفسها تستقبل عمالا مهاجرين، غالمشهد يصبح أكثر إثارة عندما ننظر إلى الضفة الأخرى من المعادلة.في الحقول الأندلسية، تعتمد بعض المواسم الزراعية على عمال مهاجرين من دول مختلفة، من بينهم مغاربة وأوروبيون شرقيون وأفارقة وغيرهم.

وتوضح حكومة الأندلس أن تغيرات المجتمع، وتراجع الإقبال المحلي على العمل الزراعي، والتصحر الديموغرافي في بعض المناطق، والتطور التكنولوجي وحجم الاستغلاليات الزراعية، كلها عوامل ساهمت في جعل اليد العاملة الموسمية أكثر تنوعا.وهكذا نجد أنفسنا أمام صورة ثلاثية:عامل مغربي يتوجه إلى إسبانيا، وعامل إسباني يتوجه إلى فرنسا، وفرنسا بدورها تستقطب اليد العاملة عندما تحتاجها قطاعاتها الزراعية.إنها شبكة اقتصادية أوروبية ومتوسطية تتحرك فيها اليد العاملة وفق قانون واضح: حيث توجد فرصة أفضل، يتجه العامل.

فالمشهد الإسباني الفرنسي يحمل أيضا رسالة مهمة بالنسبة للمغرب.حيث الهجرة الموسمية المغربية إلى أوروبا لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها تصديرا لليد العاملة، وإنما باعتبارها جزءا من سوق عمل عابر للحدود تحكمه الحاجة إلى العمال، وفوارق الأجور، والمهارات، والعقود، والحماية الاجتماعية.والتجربة الإسبانية تؤكد أن العامل الموسمي يمكن أن ينتقل بين الدول الأوروبية نفسها، رغم ارتفاع مستويات التنمية وتقارب الاقتصادات، عندما يجد في بلد آخر أجرا أفضل وشروطا أكثر جاذبية.لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا يهاجر العامل؟ بل لماذا لا يجد في سوق العمل المحلي الشروط التي تجعله يختار البقاء؟إذن الهجرة كاختيار اقتصادي لا كفشل اجتماعي، ربما يكون من الخطأ أيضا النظر إلى العامل الإسباني الذي يسافر إلى فرنسا باعتباره “مهاجرا فقيرا”، كما يتم أحيانا اختزال صورة المهاجر القادم من الجنوب.هذا العامل قد يملك منزلا وأسرة وحياة مستقرة في الأندلس، لكنه يقرر السفر لأسابيع أو أشهر لأنه يعرف أن دخله في فرنسا سيكون أفضل.إنها هجرة مؤقتة، محسوبة، ومبنية على المقارنة الاقتصادية. وهذا يغير كثيرا من الصورة التقليدية للهجرة.

فالهجرة في جوهرها ليست دائما هروبا من الفقر؛ أحيانا تكون بحثا عن فارق في الدخل.في بداية 2026، بلغ عدد الأشخاص ذوي الجنسية الإسبانية المسجلين في الأندلس والمقيمين خارج إسبانيا نحو 354,838 شخصا، وكان من أبرز بلدان الإقامة فرنسا، التي استقطبت 13.7% من مجموع هؤلاء المسجلين.لكن العمال الموسميين الذين يعبرون الحدود لجني التفاح أو العنب يقدمون صورة مختلفة وأكثر دينامية بان الهجرة لا تعني بالضرورة الاستقرار في بلد آخر؛ قد تكون مجرد انتقال مؤقت من سوق عمل إلى سوق عمل.وهنا ربما تكمن إحدى أهم حقائق سوق العمل الأوروبي المعاصر، فالحدود السياسية ثابتة، لكن حركة اليد العاملة تتحرك وفق الأجر والطلب والفرصة.

اذن؛ هناك آلاف الأندلسيين الذين يركبون الحافلات نحو فرنسا هذا الصيف لا يقدمون فقط قصة عن موسم حصاد.إنهم يقدمون درسا اقتصاديا في معنى الهجرة نفسها.فكما يبحث العامل المغربي عن فرصة في إسبانيا، يبحث العامل الإسباني عن فرصة في فرنسا. وكما تحتاج إسبانيا إلى عمال مهاجرين في بعض مواسمها الزراعية، تحتاج فرنسا إلى عمال إسبان في مواسم أخرى.الهجرة إذن ليست طريقا باتجاه واحد، بل سوقا متحركة للمهارات والجهد والوقت.وفي النهاية، لا يسأل العامل كثيرا عن اتجاه البوصلة.يسأل عن الأجر، والعقد، والكرامة، وظروف العمل.وهذه ربما هي الحقيقة الأكثر وضوحا في قصة آلاف الأندلسيين الذين يتجهون اليوم نحو فرنسا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button