Hot eventsأخبارالذكاء الاصطناعي AIالرئيسيةالعلوم والتكنولوجياصحافة وإعلام

أبو بكر إبراهيم أوغلو..حين يصبح الجسر بين الأكاديمية والإعلام ضرورة لا ترفا

الحدث الافريقي- ليلى حبش حاريث

في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية والإعلامية بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد السؤال الحقيقي حول هل سيتغير الإعلام؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا في كيف نواكب هذا التغيير دون أن نفقد جوهر المهنة؟

هذا السؤال كان حاضرا بقوة في مداخلة الصحفي والباحث أبو بكر إبراهيم أوغلو، رئيس شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا «مينا»، خلال المؤتمر العلمي الأول للإعلام والتحولات الرقمية بإسطنبول، حيث قدم رؤية تتجاوز الحديث التقليدي عن الذكاء الاصطناعي والرقمنة، لتضع العلاقة بين الأكاديمية والممارسة الإعلامية في قلب مستقبل الصحافة العربية.

وقد جاء هذا الطرح منسجما مع فلسفة المؤتمر الذي يجمع بين البحث العلمي والممارسة المهنية والتشريع والتكنولوجيا، ويناقش قضايا المصداقية والتحقق والأخلاقيات والمسؤولية في البيئة الرقمية.

و أهم ما يلفت في مداخلة أوغلو أنه لم يتعامل مع البحث الأكاديمي باعتباره عالما منفصلا عن الصحفي، ولا مع الصحفي باعتباره مجرد منفذ لما تنتجه المؤسسات العلمية، و إنما طرح فكرة الجسر؛ أي أن تتحول التجربة اليومية داخل غرف الأخبار إلى أسئلة بحثية، وأن تتحول نتائج الدراسات والأبحاث إلى أدوات عملية يستفيد منها الصحفي والمؤسسة الإعلامية.
وهذه الفكرة تبدو شديدة الأهمية في العالم العربي، حيث لا تزال هناك مسافة بين ما تنتجه الجامعات من دراسات وأبحاث، وما تحتاجه المؤسسات الإعلامية في حياتها اليومية من أدوات ومعايير وحلول.

فالصحفي يواجه كل يوم سيلا من الأخبار والصور والفيديوهات والمعلومات، بينما يواصل الباحث دراسة الظاهرة الإعلامية من زوايا نظرية وأكاديمية. والمطلوب، كما يوحي خطاب أوغلو، ليس إلغاء المسافة بين الطرفين، وإنما تحويلها إلى مساحة للتعاون وإنتاج المعرفة.

ربما كانت أكثر النقاط راهنية في المداخلة هي تلك المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية نتحدث عنها باعتبارها احتمالا مستقبليا، لقد دخل بالفعل إلى غرف الأخبار، وأصبح حاضرا في إنتاج النصوص والصور والفيديوهات والترجمة والتحليل وحتى في بعض مراحل صناعة القرار التحريري. لكن دخول التكنولوجيا إلى الإعلام لا يعني بالضرورة أن الصحافة أصبحت أكثر مهنية.

وهنا يطرح أوغلو السؤال الجوهري، كيف نستخدم التكنولوجيا؟ السؤال في حد ذاته أكثر أهمية من التكنولوجيا نفسها، لأن المشكلة ليست في قدرة الآلة على إنتاج آلاف الكلمات والصور والمقاطع خلال وقت قصير، وإنما في قدرة الصحفي على التحقق مما تنتجه الآلة، ومساءلته، واكتشاف الأخطاء والتلاعب والانحياز الكامن وراءه. فالصحافة لا تختزل في سرعة إنتاج المحتوى، بل الصحافة سؤال، وتحقيق، وشك مهني، وتحقق، ومسؤولية.
وإذا فقد الصحفي هذه الأدوات، فإن امتلاكه لأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يحوله من منتج للمعلومة إلى مجرد ناقل سريع لمحتوى قد يكون مضللا.

جانب آخر مهم في مداخلة أوغلو يتمثل في دعوته إلى إنتاج معرفة إعلامية تنطلق من الواقع العربي.
فالمنطقة العربية ليست مجرد سوق لاستهلاك التكنولوجيا أو استيراد النظريات والمفاهيم الإعلامية الجاهزة، بل هناك خصوصيات ثقافية واجتماعية وسياسية وقانونية تجعل التجربة الإعلامية العربية بحاجة إلى دراسات تنطلق من واقعها، مع الاستفادة في الوقت نفسه من التجارب الدولية. وهنا تكمن قيمة البحث العلمي الحقيقي.

فنحن بحاجة إلى دراسات تدخل غرف الأخبار نفسها، وتدرس سلوك الجمهور، وتحلل التشريعات، وتفحص علاقة الصحفي بالمنصات الرقمية والخوارزميات، وتبحث في تأثير الذكاء الاصطناعي على المصداقية والتحقق. والأهم من ذلك أننا بحاجة إلى مفاهيم ومصطلحات ونظريات قادرة على تفسير الظواهر الجديدة من داخل بيئتنا العربية، لا أن نكتفي بإسقاط مفاهيم نشأت في سياقات مختلفة على واقع لا يشبهها بالضرورة.

في فلسفة شبكة مينا، كما عرضها أوغلو، هناك فكرة تستحق التوقف عندها حول الاستثمار الحقيقي في الإعلام يبدأ بالاستثمار في الصحفي نفسه. وهذا الاستثمار لا يعني فقط التدريب على استخدام الأدوات الرقمية، و إنما استثمار في المعرفة، وفي المهارات، وفي الاستقلالية المهنية، وفي التفكير النقدي، وفي بناء العلاقات المهنية.

فالآلة يمكن أن تتطور بسرعة، والخوارزميات يمكن أن تصبح أكثر ذكاء، والمنصات يمكن أن تتغير بين ليلة وضحاها، لكن الصحفي الذي يمتلك عقلا نقديا وقدرة على التحقق والاستقصاء سيظل قادرا على التعامل مع هذه التحولات بدل أن يصبح ضحية لها.

و الأهم في المداخلة ربما كان رفض اختزال المؤتمر في جلسات تنتهي بالتصفيق والصورة الجماعية.
فالقيمة الحقيقية لأي مؤتمر علمي لا تقاس بعدد المتحدثين أو الحضور، وإنما بما يتركه من معرفة ومشروعات وأسئلة جديدة.
ومن هنا تبدو دعوة أوغلو إلى تحويل الأوراق والمناقشات والتوصيات إلى مشروعات بحثية وتدريبية وشراكات أكاديمية ومهنية عابرة للحدود، دعوة تتجاوز المناسبة نفسها. وهو توجه ينسجم مع طبيعة مؤتمر مينا الذي يجمع أصلا بين الجلسات العلمية والطاولات المستديرة والشراكات الأكاديمية والمهنية، مع التركيز على تطوير التعاون بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية.

في نفس السياق، يمكن قراءة مداخلة أبو بكر إبراهيم أوغلو باعتبارها بيانا فكريا حول نوع الإعلام الذي نحتاجه في المرحلة المقبلة يتمثل في إعلام لا يخاف التكنولوجيا، لكنه لا يسلم لها عقله و إعلام يستفيد من الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يتنازل عن التحقق. أيضا إعلام ينفتح على المعرفة العالمية، لكنه ينتج معرفة نابعة من واقعه. و إعلام يجمع الباحث والصحفي والجامعة والمؤسسة المهنية في فضاء واحد.

والأهم إعلام ينظر إلى الصحفي باعتباره إنسانا يمتلك عقلا نقديا ومسؤولية مهنية، وليس مجرد مستخدم لأداة تكنولوجية. لذلك فإن العبارة التي اختتم بها أوغلو مداخلته تختصر جوهر رسالته : «مستقبل الإعلام لا ينبغي أن ننتظر حدوثه، بل علينا أن نشارك في صناعة هذا المستقبل.»

وربما تكون هذه هي المهمة الحقيقية التي تنتظر «مينا» بعد انتهاء المؤتمر: أن يتحول الجسر الذي تحدث عنه أبو بكر إبراهيم أوغلو من فكرة جميلة في خطاب افتتاحي إلى ممارسة مؤسسية مستدامة، تربط الباحث بالصحفي، والجامعة بغرفة الأخبار، والمعرفة بالفعل المهني.
فالإعلام العربي لا يحتاج فقط إلى أدوات جديدة؛ و إنما يحتاج إلى عقل إعلامي جديد قادر على استخدام هذه الأدوات دون أن يفقد البوصلة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button