أخبارالرئيسيةفي الصميم

سيكولوجية الناخب المغربي ومحددات التصويت في المغرب4/4

على ضوء انتخابات 23 شتنبر 2026

رابعاً: عشية 23 شتنبر 2026 – التحولات والمرتقبات الانتخابية

في ظل الإطار التنظيمي الجديد الذي يؤطر الاستحقاق المقبل، والذي حدد فترة إيداع الترشيحات ابتداءً من 31 غشت 2026 إلى غاية 9 شتنبر 2026، وانطلاق الحملة الانتخابية يوم 10 شتنبر لتنتهي مع منتصف ليلة 22 شتنبر، قبيل يوم الاقتراع مباشرة، يُتوقع أن تبرز ثلاثة متغيرات رئيسية تؤثر في سيكولوجية الناخب أثناء توجهه إلى مكاتب التصويت:

4.1 سلوك التصويت العقابي والجزائي

يميل قطاع واسع من الناخبين إلى بناء قرارهم استناداً إلى تقييم أداء الحكومة والأحزاب المشكِّلة للأغلبية والمعارضة خلال الولاية المنقضية (2021-2026)، ومدى وفائها بتعهداتها الاجتماعية. وكما شهدت انتخابات 2021 تراجعاً دراماتيكياً لحزب العدالة والتنمية الإسلامي المعتدل، الذي وصل إلى رئاسة الحكومة في سياق حراك  الربيع العربي 2011 وانخفضت حصته من 125 مقعداً إلى 12 مقعداً فقط، فإن انتخابات 2026 تضع أحزاب التحالف الحكومي الثلاثي أمام اختبار التقييم والجزاء الشعبي. وتدلي قراءات سياسية باحتمال تصدر أحد أحزاب الأغلبية الحالية ضمن استمرارية الائتلاف القائم، مع ترجيح توسيع هذا الائتلاف بضم مكون أو مكونين من المعارضة الحالية، تحت تأثير القاسم الانتخابي وضرورة تأمين أغلبية قادرة على متابعة تنزيل أجندة “مغرب 2030”.

4.2. تأثير الرقمنة وصعود المساءلة الشعبية الفورية

تمثّل الشفافية الرقمية وصعود المساءلة الشعبية الفورية تحولًا جذريًا في المشهد السياسي الحديث، حيث أعادت الوسائط الرقمية إعادة تشكيل العلاقة بين الفاعلين السياسيين والرأي العام، ونقلت مجريات التنافس الانتخابي من الصالونات المغلقة والخطابات التعبوية التقليدية إلى فضاء مفتوح يُدار بتحكم أقل ، فكما أصبح وسيلة فعالة لأستمالة الناخبين أضحى أيضا ألية للمراقبة و المساءلة و تقييم الوقع المباشرللسياسات العمومية على المواطنين، و من ثم فإن وسائل التواصل الرقمي أصبحت تساهم في تحول المشهد الانتخابي من خلال:

  • توثيق السلوك السياسي: لم تعد الوعود الانتخابية أو تصريحات النخب الحزبية مجرد كلام عابر في التجمعات الخطابية؛ بل أصبحت تُحفظ في أرشيفات رقمية دقيقة. هذا التوثيق الدائم جعل التراجع عن التعهدات التنموية أو ارتكاب الزلات السياسية أمرًا موثقًا بالصوت والصورة، مما يصعب على الخطاب الحملاتي التقليدي التملص من التبعات.
  • الضغط الشعبي الفوري: أتاحت منصات التواصل الاجتماعي للمواطنين إمكانية معاقبة التجاوزات السياسية في الحين، حيث تتحول هفوات النخب إلى حملات نقض ومساءلة واسعة تُضعف القوة التأثيرية للوعود العامة وغير الملموسة.
  • التوجيه الرقمي القائم على البيانات: في المقابل، وتفاعلاً مع صعوبة السيطرة على الفضاء المفتوح، اتجهت الأحزاب الكبرى إلى الاستعانة بوكالات خبرة وشركات متخصصة في الحملات الرقمية الموجهة (كما برز في استحقاقات 2021). تعتمد هذه الشركات على تحليل البيانات الضخمة للناخبين وسلوكياتهم الرقمية لإعادة رسم توجهاتهم وتصميم رسائل انتخابية مخصصة وموجهة لفئات محددة.
  • التأثير على تكافؤ الفرص: أدى التفاوت في القدرة المالية والتقنية على النفاذ إلى تقنيات الخوارزميات وتحليل البيانات إلى خلق عدم توازن بين الأحزاب الممولة والأحزاب الصغرى ، مما جعل التأثير الرقمي أداة حسم حصرية لمن يملك الموارد.

أمام هذه الاختلالات الناتجة عن توظيف تقنيات التوجيه الرقمي المكثف، فرضت الجهات المشرفة على الاستحقاقات الانتخابية ضوابط تنظيمية جديدة. تهدف هذه الإجراءات إلى تقنين استخدام البيانات الشخصية في الحملات الانتخابية، وضبط التمويل الموجه للإعلانات الرقمية، لضمان حماية إرادة الناخبين وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع الفرقاء المتنافسين.

4.3. الناخب الجديد وتحدي إدماج الشباب و مغاربة العالم

تشكل الفئات الشابة التي تدخل اللوائح الانتخابية لأول مرة شريحة حاسمة في المعادلة الانتخابية، إذ تتصف بسيكولوجية أكثر نقدية وتطلباً، وتطالب بحلول عملية ملموسة لملفات الشغل والتعليم والعدالة المجالية. غير أن المفارقة اللافتة أن هذه الفئة نفسها هي الأكثر عزوفاً عن التسجيل والتصويت؛ إذ تكشف دراسات ميدانية أن الغالبية الساحقة من الشباب المستطلعة آراؤهم لا ينتمون لأي تنظيم سياسي أو نقابي، ويفضلون أشكالاً بديلة من الانخراط الاجتماعي – العمل الجمعوي، الفضاءات الرقمية، الأندية الرياضية والثقافية – على العمل الحزبي التقليدي.

يعد تصويت مغاربة العالم من الثغرات الموضوعاتية اللافتة في النقاش الحالي حول سيكولوجية الناخب المغربي و غيابُ ملف الجالية المغربية بالخارج، رغم كونها كتلة ديمغرافية وازنة. فحق التصويت مكفول قانونياً للمغاربة المقيمين خارج الوطن عبر آلية ” التصويت بالوكالة ” لفائدة ناخب مسجل بالمغرب، وقد استُحدثت لأول مرة قبيل استحقاق 23 شتنبر 2026 منصة رقمية لتحرير هذه الوكالات إلكترونياً عبر البعثات القنصلية، تيسيراً للمسطرة التي كانت تستلزم سابقاً التنقل والمصادقة الحضورية. غير أن غياب تمثيلية مباشرة لمغاربة الخارج داخل مجلس النواب (على خلاف تجارب فرنسا أو البرتغال التي خصصت مقاعد نيابية لجاليتها) يطرح، من زاوية سيكولوجية الناخب، سؤال الشعور بالتمثيلية لدى فئة تساهم اقتصادياً في البلد دون أن تملك صوتاً برلمانياً مباشراً يعبّر عن قضاياها الخاصة، وهو ما يستحق معالجة مستقلة في نسخة موسّعة من هذا المقال.

خامساً: خاتمة واستنتاجات إستراتيجية

تكشف دراسة سيكولوجية الناخب المغربي، في أفق انتخابات 23 شتنبر 2026، عن انتقال مرتقب – وإن كان غير مكتمل ولا خطي – من أنماط الولاء التقليدية والحزبية إلى نمط “الناخب الناقد والبراغماتي”. وإذا كان العامل الزبائني والروابط المحلية ما زالا حاضرين في رسم خريطة النتائج في العديد من الدوائر، فإن منسوب الوعي الاجتماعي، وتأثير الفضاء الرقمي، وضغوط الواقع الاقتصادي والاجتماعي، باتت تعيد تشكيل الخريطة السيكولوجية للمواطن المغربي بوتيرة متسارعة.

وفي النهاية، ستظل نسبة المشاركة، ومدى قدرة الأحزاب السياسية على استعادة ثقة الشباب والطبقة الوسطى، هما المحدد الحاسم في تحديد شرعية استحقاق 2026 ومخرجاته السياسية. فكلما تمكنت الفاعليات الحزبية من ردم الهوة بين الخطاب والممارسة، وتحويل الوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية ملموسة، كلما أمكن الحد من ظاهرة العزوف وإعادة بناء جسور الثقة بين الناخب والمؤسسة التمثيلية؛ وهو رهان يتجاوز استحقاق شتنبر 2026 ليطرح نفسه كأحد أهم أوراش الإصلاح السياسي في المغرب المقبل.

مراجع ومصادر

  1. موسوعة ويكيبيديا، “الانتخابات العامة المغربية 2026”.
  2. الجزيرة نت، “الانتخابات التشريعية المغربية 2026.. الرهانات، والمحددات، والمآلات المحتملة”، يونيو 2026.
  3. منصة أصوات، “الانتخابات التشريعية المغربية 2026.. تحديد موعد الاقتراع وإجراءات جديدة”.
  4. فبراير، “عزوف الشباب عن التصويت بالمغرب: أزمة ثقة وتحديات المشاركة السياسية”، ماي 2026.
  5. جريدة الشمال، “السوسيولوجية الانتخابية؛ أي دور لفهم السلوك الانتخابي بالمغرب”.
  6. موقع العمق المغربي، “كيف نشأت الأحزاب السياسية في المغرب؟”.
  7. مركز الجزيرة للدراسات، “المغرب: تحولات مكونات المشهد السياسي الحزبي”.
  8. فبراير.كوم، “أحزاب الإدارة: تنظيمات صنعت في مطبخ السلطة”.
  9. موقع الباحث القانوني، زكرياء حلوي، “المش المشهد السياسي والحزبي في مغرب ما بعد الاستقلال: من الصراع إلى التوافق”.
  10. جريدة الأخبار، “كيف عالج مسؤولو الداخلية السابقون فترات الانتخابات؟”.
  11. هسبريس، “أثر القاسم الانتخابي على أساس مجموع المسجلين”.
  12. موقع الانتخابات الرسمي، elections.ma، معطيات ونتائج استحقاقي 2016 و2021.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button