أخبارأخبار سريعةصحافة وإعلام

وديع الهامل يطرح بإسطنبول رهانات العلاقة بين الإدارة العمومية والإعلام الرقمي

الحدث الإفريقي : ليلى حبش حاريث

بين إدارة كانت تعتمد بالأمس على الوثيقة والنافذة والشباك، وعالم اليوم الذي تحكمه الشاشة والمنصات والتدفق الفوري للمعلومة، تتغير ملامح العلاقة بين المواطن والمؤسسة العمومية بشكل غير مسبوق.
هذا التحول كان محور مداخلة د. وديع الهامل، أستاذ القانون العام بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، الذي شارك في مؤتمر مينا العلمي الأول للإعلام والتحولات الرقمية، المنعقد بإسطنبول يومي 28 و 29 غشت 2026، من خلال قراءة أكاديمية في موضوع «الإدارة العمومية والإعلام الرقمي», بمداخلة علمية تناولت موضوع «الإدارة العمومية والإعلام الرقمي».

وتأتي هذه المشاركة ضمن برنامج علمي دولي جمع أكاديميين وباحثين وخبراء في مجالات الإعلام والقانون والتحول الرقمي، تحت شعار يركز على علاقة الإعلام بالتنظيم القانوني والذكاء الاصطناعي والمسؤولية المجتمعية. وقد أدرج برنامج المؤتمر موضوع علاقة الإدارة العمومية بالإعلام الرقمي ضمن القضايا المركزية المطروحة للنقاش، كما ورد اسم د. وديع الهامل ضمن قائمة المتدخلين المشاركين في الأشغال العلمية.

سلطت المداخلة الضوء على التحولات العميقة التي فرضتها البيئة الرقمية على طبيعة عمل الإدارة العمومية، خاصة في مجال التواصل المؤسساتي وعلاقة المرفق العمومي بالمواطن.
فلم يعد التواصل الإداري، في ظل الثورة الرقمية، مجرد عملية لنشر البلاغات أو تقديم المعلومات، بل أصبح جزءا من منظومة الحكامة الحديثة التي تقوم على الشفافية، وسرعة الوصول إلى المعلومة، والتفاعل مع المواطنين، وتحسين جودة الخدمات العمومية.

وفي هذا الإطار، يفرض الإعلام الرقمي على الإدارة العمومية تطوير أدوات جديدة للتواصل، والانتقال من منطق الاتصال العمودي التقليدي إلى منطق أكثر انفتاحا وتفاعلا، يجعل المواطن طرفا في العملية التواصلية وليس مجرد متلق للقرارات والمعلومات.

لقد أبرز موضوع المداخلة أهمية المنصات الرقمية ووسائل الإعلام الحديثة في إعادة بناء العلاقة بين المواطن والإدارة، من خلال تسهيل الولوج إلى المعلومات والخدمات، وتوفير قنوات أسرع للتواصل والاستفسار والتفاعل.
وتكتسي هذه العلاقة أهمية خاصة في ظل ارتفاع انتظارات المواطنين بشأن جودة الخدمات العمومية، وحقهم في الحصول على المعلومة، وتتبع القرارات والسياسات التي تؤثر في حياتهم اليومية.

ومن هذا المنطلق، يصبح التحول الرقمي فرصة حقيقية للانتقال نحو إدارة أكثر قربا وانفتاحا وفعالية، شريطة ألا يقتصر التحول على إدخال الوسائل التقنية، بل يشمل أيضا تطوير الثقافة الإدارية وتأهيل الموارد البشرية وتعزيز الثقة الرقمية.

كما يطرح الإعلام الرقمي رهانات جديدة مرتبطة بالشفافية والمسؤولية المؤسساتية، إذ أصبح تداول المعلومات أكثر سرعة واتساعا، ولم يعد ممكنا للإدارة العمومية أن تعتمد فقط على قنوات التواصل التقليدية.
فالفضاء الرقمي يتيح فرصا مهمة لنشر المعلومات العمومية وتوضيح القرارات الإدارية وتعزيز التواصل المباشر مع المواطنين، لكنه في المقابل يفرض على المؤسسات العمومية ضرورة اعتماد تواصل مهني ودقيق وسريع، قادر على مواجهة الأخبار الزائفة والتأويلات والمعلومات غير الموثوقة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى استراتيجية واضحة للتواصل الرقمي، تقوم على المصداقية والاستباقية والتفاعل المسؤول، باعتبار أن الصمت المؤسساتي في العصر الرقمي قد يترك المجال مفتوحا أمام مصادر غير رسمية لصناعة الرواية وتوجيه الرأي العام.

لم يعد التحول الرقمي مسألة تقنية صرفة، بل أصبح يثير إشكالات قانونية ومؤسساتية متعددة، تتعلق بحماية المعطيات الشخصية، والحق في الحصول على المعلومات، والمسؤولية عن المحتوى الرقمي، وأمن الأنظمة المعلوماتية، وأخلاقيات التواصل العمومي.
وتزداد أهمية هذه الإشكالات مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي والخوارزميات والمنصات الرقمية، وهي قضايا تتقاطع مع المحاور العامة لمؤتمر مينا، الذي خصص جانبا من نقاشاته للتنظيم القانوني للإعلام الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأخلاقيات والمسؤولية المجتمعية، إضافة إلى التحقق الرقمي ومواجهة التضليل.

إن نجاح الإدارة الرقمية لا يقاس فقط بعدد الخدمات الإلكترونية أو المنصات التي يتم إطلاقها، بل بمدى قدرتها على بناء علاقة قائمة على الثقة بين المؤسسة والمواطن.
فالرقمنة الحقيقية تفترض تبسيط المساطر، وتحسين جودة الخدمات، وضمان حماية البيانات، وتوفير المعلومة بشكل واضح ومتاح، إلى جانب تطوير قنوات تواصل تتيح للمواطن التعبير عن حاجاته وملاحظاته.

وفي هذا السياق، يبرز الإعلام الرقمي باعتباره شريكا أساسيا في مواكبة التحول الإداري، من خلال نقل المعلومة وتفسير السياسات العمومية وإتاحة فضاء للنقاش العمومي، مع ضرورة الالتزام بالضوابط المهنية والقانونية التي تحمي المجتمع والمؤسسات والأفراد.

وتندرج مشاركة د. وديع الهامل ضمن الحضور الأكاديمي المغربي في هذا الملتقى العلمي الدولي، الذي شهد مشاركة باحثين ومؤسسات أكاديمية ومهنية من عدة دول، كما تضمن البرنامج مشاركة جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس إلى جانب باحثين ومراكز متخصصة في الدراسات القانونية والرقمية والإعلامية.
وقد شكل المؤتمر فضاء لتبادل التجارب ومناقشة التحولات التي يشهدها الإعلام في علاقته بالقانون والتكنولوجيا والمؤسسات، حيث خصص اليوم الثاني، المنعقد بجامعة إسطنبول–جراح باشا، لمناقشة الأوراق العلمية والبحوث والتجارب المقارنة في مجالات الإعلام والقانون والتحول الرقمي.
حيث تعكس مداخلة د. وديع الهامل حول «الإدارة العمومية والإعلام الرقمي» أهمية التفكير الأكاديمي في التحولات التي تعرفها المؤسسات العمومية في عصر الرقمنة.
فالرهان اليوم لم يعد فقط في رقمنة الخدمات، بل في بناء إدارة حديثة، شفافة، متواصلة، وقادرة على التفاعل مع مواطن رقمي أكثر اطلاعا ووعيا ومطالبة بالسرعة والجودة والمساءلة.
ومن إسطنبول، يبرز هذا النقاش العلمي باعتباره جزءا من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل الإدارة العمومية : كيف يمكن للتكنولوجيا والإعلام الرقمي أن يتحولا من مجرد أدوات تقنية إلى رافعة حقيقية للحكامة والديمقراطية الإدارية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع؟
إنها أسئلة تجعل من التحول الرقمي مشروعا مؤسساتيا وقانونيا ومجتمعيا متكاملا، وليس مجرد انتقال من الورق إلى الشاشة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button