Hot eventsأخبارإفريقيا

سباق الانتخابات في المغرب وفشل قلب نظام النيجر

الرادار الإفريقي | صباح الأربعاء 02 شتنبر 2026

عين الرباط على إفريقيا

تتحرك إفريقيا على أكثر من جبهة؛ انتخابات تفرض ايقاعا سياسيا جديدا على بعض دول أفريقيا، وساحل يعيد ترتيب أوراقه، وصراع النفوذ ينتقل إلى الاقتصاد والأمن من نيامي إلى لوساكا، ومن القاهرة إلى واغادوغو، ومن شرق الكونغو إلى القرن الإفريقي… القارة لا تمنح هذا الصباح فرصة لالتقاط الأنفاس.

في إفريقيا، لا يحدث شيء بمعزل عن شيء آخر. كل الأحداث مترابطة بعضها ببعض.انتخابات تنتهي وسط أسئلة حول الديمقراطية، وأنظمة عسكرية تبحث عن تثبيت أقدامها، تحالفات إقليمية تعيد رسم خرائط النفوذ، وقوى دولية تتنافس على المعادن والطاقة والموانئ والأسواق؛  وخلف كل هذا ، تستمر الحروب المفتوحة وأزمات الأمن والغذاء في الضغط على دول تبدو وكأنها تخوض أكثر من معركة في الوقت نفسه.

في زامبيا، أدى الرئيس هاكايندي هيشيليما اليمين لولاية ثانية، لكن المشهد الانتخابي خلف وراءه جدلاً واسعاً حول نزاهة العملية الانتخابية، واعتقالات للمعارضة واتهامات بالتضييق السياسي، بما يعيد إلى الواجهة سؤال الديمقراطية الإفريقية وحدود الاستقرار السياسي.

وفي الساحل، تستمر إعادة تشكيل منظومة الأمن والتحالفات بعيداً عن الصيغ التقليدية، فيما تتجه دول المنطقة إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة تجمع، بدرجات متفاوتة، بين الأنظمة العسكرية والدول التي ما زالت داخل الفضاء الإقليمي التقليدي.

وفي القاهرة، تتقدم العلاقات المصرية ــ البوركينابية نحو تعاون أوسع في الاقتصاد والأمن والتنمية، في مؤشر جديد على أن المعركة الإفريقية لم تعد عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على الشراكات والأسواق وممرات التجارة والنفوذ الاقتصادي. 

أما شرق القارة، فما تزال ملفات إثيوبيا وتيغراي والبحيرات الكبرى تفرض نفسها على الحسابات الأمنية، فيما يظل شرق الكونغو أحد أكثر بؤر القارة قابلية لإعادة إنتاج الصراع، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع الموارد المعدنية والتنافس الإقليمي.

وفي المقابل، تفتح إفريقيا جبهة أخرى لا تقل أهمية هي جبهة التكنولوجيا والطاقة. فالقارة التي تمتلك احتياطات هائلة من المعادن الحيوية أصبحت جزءاً من السباق العالمي حول الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، لكن ضعف شبكات الكهرباء والبنية التحتية يطرح سؤالاً حاسماً: هل تستطيع إفريقيا أن تتحول من مجرد مورد للمعادن إلى لاعب في الاقتصاد الرقمي الجديد؟ .

إفريقيا تعيد التفاوض على موقعها في النظام الدولي.

السياسة تتغير، والأمن يعاد تعريفه، والتحالفات تتحول، والثروة المعدنية أصبحت ورقة جيوسياسية، فيما تتحول الطاقة والبيانات والذكاء الاصطناعي إلى ساحات جديدة للصراع والتنافس. ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط من يربح معركة النفوذ في إفريقيا؟ بل من يملك القدرة على تحويل النفوذ إلى دور استراتيجي دائم؟

النيجر..هل دخل الساحل مرحلة «أزمة الأنظمة»؟

لم يعد السؤال في الساحل الإفريقي هو؛ من يملك النفوذ؟ بل أصبح أكثر تعقيدا؛ من يستطيع أن يحافظ على الدولة نفسها؟

ففي 29 غشت، شهدت نيامي هجوماً نفذته عناصر متمردة استهدف المطار ومواقع رئاسية، قبل أن تتمكن القوات الموالية، بدعم روسي مباشر، من استعادة القاعدة الجوية. وتكشف التطورات أن جذور الأزمة مرتبطة أيضاً بتدهور الوضع الأمني واستمرار الهجمات الجهادية والضغط على القوات الموجودة في خطوط المواجهة. ما جرى في النيجر خلال الأيام الأخيرة يضع منطقة الساحل أمام منعطف جديد. فبعد سنوات من الانقلابات العسكرية، وإعادة ترتيب التحالفات الدولية، وخروج القوى الغربية، وصعود روسيا باعتبارها شريكاً أمنياً رئيسياً للأنظمة العسكرية، ظهر التحدي هذه المرة من داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

فالتمرد الذي هز العاصمة نيامي لم يكن مجرد محاولة للسيطرة على موقع عسكري؛ لقد استهدف مواقع استراتيجية، في وقت تعاني فيه القوات النيجرية من ضغط متزايد بسبب النشاط الجهادي. وحين تصبح الجبهة الداخلية امتداداً للجبهة الأمنية، فإن معادلة السلطة تدخل مرحلة أكثر هشاشة.

روسيا تدخل على خط الأزمة

المفارقة الكبرى أن روسيا، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة شريكاً أمنياً أساسياً للأنظمة العسكرية في الساحل، لم تبقَ هذه المرة في موقع المراقب. فقد ساعدت عناصر Africa Corps الروسية القوات الموالية للسلطة في استعادة القاعدة الجوية في نيامي، في تدخل يؤكد أن العلاقة بين موسكو والأنظمة العسكرية في الساحل تجاوزت مستوى التعاون السياسي أو العسكري التقليدي، لتقترب من صيغة شراكة أمنية مباشرة لحماية الأنظمة القائمة.

وهذا يطرح سؤالاً أكبر؛ هل أصبحت روسيا ضامناً لبقاء أنظمة الساحل، أم أن تدخلها يؤجل فقط أزمات داخلية أعمق؟ منذ تأسيس تحالف دول الساحل الثلاثي، الذي يضم النيجر ومالي وبوركينا فاسو، سعت هذه الأنظمة إلى تقديم نفسها باعتبارها نموذجاً جديداً للاستقلال السياسي والأمني عن الغرب. لكن التطورات الأخيرة تكشف مفارقة صارخة، هي أن القطيعة مع الغرب لا تعني بالضرورة الاستقلال الكامل عن الخارج.

فالاعتماد على روسيا في المجال الأمني يعيد إنتاج سؤال النفوذ الخارجي، وإن بأسماء وشعارات مختلفة. وفي الوقت نفسه، فإن الجماعات الجهادية لا تزال قادرة على استنزاف الجيوش وإرباك الدولة، بما يجعل الحديث عن «السيادة» ناقصاً إذا لم ترافقه قدرة حقيقية على تأمين الحدود والسكان والاقتصاد.

وتؤكد قراءات أمنية حديثة أن منطقة الساحل تواجه بالفعل تحولات عميقة، مع استمرار العنف وتراجع الشراكات الأمنية الغربية وصعود أدوار خارجية جديدة.

ما وراء الخبر

الحدث النيجرِي قد يكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة في الساحل؛ مرحلة صراع الأنظمة مع أزماتها الداخلية، وليس فقط صراعها مع القوى الخارجية. فالانقلاب العسكري يستطيع إسقاط حكومة، لكنه لا يستطيع بمفرده بناء دولة قوية. والتحالف مع قوة خارجية يستطيع توفير السلاح والمعلومات والدعم العملياتي، لكنه لا يستطيع وحده معالجة الفقر، والبطالة، وضعف المؤسسات، واتساع رقعة النشاط الجهادي.

وهنا تحديداً ستُختبر تجربة تحالف دول الساحل. فإذا عجزت هذه الدول عن تحويل خطاب السيادة إلى قدرة مؤسساتية وأمنية واقتصادية حقيقية، فقد يتحول المشروع من نموذج للاستقلال الإفريقي إلى مجرد إعادة توزيع للنفوذ الدولي داخل القارة.

المؤشر الإفريقي

النيجر: إنذار أمني وسياسي
الساحل: هشاشة متصاعدة
روسيا: نفوذ أمني في صعود
الجماعات الجهادية: عامل استنزاف مستمر
تحالف دول الساحل: أمام اختبار حقيقي للتماسك

المغرب..ساعة العد العكسي  للانتخابات

بينما تعيد إفريقيا ترتيب أوراقها السياسية والأمنية والاقتصادية، يدخل المغرب بدوره مرحلة سياسية حاسمة مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، في استحقاق ينتظر أن يعيد رسم خريطة مجلس النواب ويحدد ملامح المرحلة السياسية المقبلة.

اللافت أن السباق الانتخابي انتقل فعلياً من مرحلة الإعداد إلى مرحلة المنافسة المفتوحة؛ فقد انطلقت عملية إيداع الترشيحات يوم 31 غشت، وسُجلت خلال الساعات الأولى مئات اللوائح المنتمية إلى عشرات الأحزاب، في مؤشر على اتساع دائرة التنافس ورغبة مختلف القوى السياسية في حجز موقع لها داخل البرلمان المقبل.

ومع اقتراب 10 شتنبر، موعد انطلاق الحملة الانتخابية رسمياً، تتحول الساحة السياسية المغربية تدريجياً إلى فضاء للمواجهة بين البرامج والوجوه والتحالفات، فيما تستعد وسائل الإعلام العمومية لمواكبة الاستحقاق وفق ضوابط دقيقة حددتها الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، بما في ذلك توزيع أوقات البث والكلمة والظهور السياسي.

لكن انتخابات 2026 لا تبدو مجرد سباق على المقاعد. إنها، في العمق، انتخابات على صورة المغرب في السنوات المقبلة. فالحكومة والبرلمان المقبلان سيكونان أمام ملفات استراتيجية ثقيلة: مواصلة بناء الدولة الاجتماعية، تعزيز الاستثمار والتشغيل، تنزيل الأوراش الكبرى المرتبطة بمغرب 2030، التحضير للاستحقاقات الرياضية الدولية، وترسيخ موقع المملكة داخل محيطها الإفريقي والدولي.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه الرادار الإفريقي ليس فقط، من سيفوز في الانتخابات؟ بل، أي خريطة سياسية يحتاجها المغرب لمواجهة إفريقيا الجديدة والعالم الجديد؟ فالمغرب الذي وسّع حضوره الاقتصادي والدبلوماسي في إفريقيا، والذي أصبح ينظر إلى القارة باعتبارها فضاءً استراتيجياً لا مجرد عمق جغرافي، يحتاج في المرحلة المقبلة إلى مؤسسات سياسية قادرة على مواكبة هذا التحول.

ولهذا، ستكون صناديق 23 شتنبر أكثر من موعد انتخابي؛ ستكون اختباراً للثقة، ولقدرة الأحزاب على تجديد خطابها، ولقدرة النخب السياسية على إقناع المواطن بأن السياسة ما زالت قادرة على صناعة المستقبل.

ومن هنا نغلق رادار اليوم على سؤال مفتوح؛ إفريقيا تغيّر قواعد اللعب.فهل ينجح المغرب في تجديد أدواته السياسية بما يواكب موقعه الجديد داخل القارة والعالم؟.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button