Hot eventsأخبارإفريقياالرئيسيةتقارير وملفات

الأمن الغذائي في إفريقيا..معركة الأرض والماء في مواجهة المجاعة

الفصل الخامس: من يملك غذاء إفريقيا؟

ملفات- الحدث الإفريقي

في عالم لم تعد فيه الحروب تُخاض بالسلاح وحده، بدأ الغذاء يتحول تدريجياً إلى أداة من أدوات القوة والنفوذ. فالدولة التي تملك الحبوب والأسمدة والبذور والموانئ وشبكات النقل والتخزين، لا تملك فقط سلعة تجارية؛ إنها تمتلك جزءاً من القدرة على التأثير في استقرار دول ومجتمعات بأكملها.

وهنا تبرز إفريقيا في قلب المعادلة. قارة شابة، يتزايد عدد سكانها بسرعة، وتحتاج إلى كميات متصاعدة من الغذاء، لكنها ما تزال مرتبطة بالأسواق الخارجية لتأمين جزء مهم من حاجاتها من الحبوب والأسمدة والزيوت وغيرها من المواد الغذائية.

ومن ثم فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد، هل تستطيع إفريقيا إنتاج الغذاء؟ بل، من يتحكم في الغذاء الذي يصل إلى إفريقيا؟ ومن يتحكم في المدخلات التي تسمح لها بإنتاج غذائها؟

الحبوب… نقطة الضعف الاستراتيجية

يحتل القمح موقعاً حساساً في الأمن الغذائي الإفريقي، خصوصاً في شمال إفريقيا وعدد من دول القارة التي تعتمد على الواردات لتلبية جزء مهم من استهلاكها. والأمر لا يتعلق بالقمح وحده. فالأرز والذرة والزيوت النباتية والسكر وغيرها من السلع الأساسية ترتبط بدرجات متفاوتة بالأسواق العالمية.

وهذا يعني أن أي اضطراب كبير في الإنتاج العالمي أو النقل البحري أو أسعار الطاقة أو العملة يمكن أن ينتقل بسرعة إلى الأسواق الإفريقية. وقد كشفت الحرب الروسية الأوكرانية بوضوح هذه الهشاشة، بعدما أدت اضطرابات صادرات الحبوب والأسمدة والطاقة إلى صدمة عالمية في أسعار الغذاء. وبالنسبة لدول إفريقية تعتمد على الاستيراد، لم تكن المشكلة في توفر الغذاء فقط، بل في القدرة على دفع ثمنه.

أوكرانيا..عندما وصلت الحرب إلى مائدة الإفريقي

لم تكن الحرب الروسية الأوكرانية حرباً أوروبية محلية من منظور الأمن الغذائي. لقد امتدت آثارها إلى أسواق العالم. فروسيا وأوكرانيا كانتا من كبار اللاعبين في تجارة الحبوب والأسمدة، واضطراب الصادرات أدى إلى ارتفاع الأسعار وزيادة الضغط على الدول المستوردة.

وفي إفريقيا، كان وقع الصدمة مضاعفاً. فارتفاع أسعار الحبوب تزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والنقل، ما جعل تكلفة إنتاج الغذاء محلياً أكثر ارتفاعاً أيضاً.

وهنا ظهرت المفارقة؛ الدولة التي تستورد الغذاء تتضرر من ارتفاع سعر الغذاء، والدولة التي تريد زيادة إنتاجها تتضرر من ارتفاع سعر الأسمدة والطاقة. أي أن الأزمة تضرب طرفي المعادلة في الوقت نفسه.

الأسمدة..الحلقة التي لا تحظى بما يكفي من الاهتمام

عندما نتحدث عن الأمن الغذائي، يذهب التفكير مباشرة إلى الأرض والماء والبذور. لكن هناك عنصراً آخر شديد الأهمية وهو الأسمدة. فالقدرة على رفع إنتاجية الأراضي الزراعية ترتبط في كثير من المناطق بقدرة المزارعين على الوصول إلى الأسمدة بأسعار مناسبة. وأي ارتفاع عالمي في أسعار الغاز الطبيعي أو اضطراب في سلاسل التوريد يمكن أن ينعكس على أسعار الأسمدة، لأن الطاقة تدخل بشكل أساسي في إنتاج عدد من أنواعها. وهكذا يصبح أمن الغذاء مرتبطاً أيضاً بأمن الطاقة. وهنا تكتمل إحدى أهم حلقات الملف؛ الماء يحتاج إلى الطاقة، والغذاء يحتاج إلى الماء والطاقة والأسمدة. ومعلوم أن إفريقيا تعد سوقا ضخمة أكثر منها قوة تفاوضية، فالقارة الإفريقية تمثل سوقاً غذائية ضخمة ومتنامية. لكن الحجم السكاني لا يتحول تلقائياً إلى قوة تفاوضية.

القوة تأتي عندما تمتلك الدولة أو المجموعة الإقليمية قدرة على الإنتاج المحلي والتخزين الاستراتيجي مع تنويع مصادر الاستيراد، و تصنيع المدخلات الزراعية؛ و التحكم في النقل والموانئ. وأيضا بناء أسواق إقليمية متكاملة.

ومن دون هذه العناصر، تصبح السوق الإفريقية الكبيرة فرصة للمنتجين الخارجيين أكثر مما هي قوة للمنتجين الأفارقة. وهنا تظهر أهمية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. فكلما توسعت التجارة داخل إفريقيا، أصبح ممكناً بناء سوق غذائية قارية تقلل الاعتماد على الأسواق البعيدة.

البذور.. القوة التي تبدأ قبل الحقل

هناك مستوى آخر من المعركة لا يحظى دائماً بالاهتمام الإعلامي نفسه. إنه البذور. فالبذرة هي نقطة البداية في دورة الإنتاج. والدول التي تطور أصنافها الزراعية وتملك مراكز البحث والتطوير وتنتج بذوراً ملائمة لظروفها المناخية، تمتلك جزءاً مهماً من استقلالها الزراعي. أما الاعتماد المفرط على البذور المستوردة فيمكن أن يجعل المزارع مرتبطاً بسلاسل خارجية لا يتحكم فيها. ومع تغير المناخ، تصبح المسألة أكثر حساسية.

فإفريقيا تحتاج إلى أصناف قادرة على تحمل الحرارة والجفاف والملوحة والأمراض. وهذا يتطلب استثماراً أكبر في البحث الزراعي الإفريقي. ولذلك فمن يملك التكنولوجيا يملك جزءاً من الغذاء.

لم يعد النفوذ الزراعي يقاس فقط بالأرض. فالتكنولوجيا أصبحت جزءاً من المعادلة. ومن يملك البيانات، والأقمار الصناعية، والبرمجيات، والبذور المحسنة، وأنظمة الري، والمعدات الزراعية، وسلاسل التبريد، وتقنيات التخزين، يمتلك قدرة أكبر على التحكم في الإنتاج. وهذا يفتح أمام إفريقيا سؤالاً جديداً، هل ستستورد القارة الغذاء فقط، أم ستستورد أيضاً التكنولوجيا التي تنتج بها غذاءها؟ إذا كان الخيار الثاني هو السائد، فإن جزءاً من التبعية سيظل قائماً حتى لو ارتفع الإنتاج المحلي.

الموانئ…الحلقة التي تربط الغذاء بالعالم

قد تنتج دولة إفريقية الغذاء بكميات مهمة، لكنها لا تستطيع الاستفادة منه تجارياً إذا كانت الطرق والموانئ ومخازن الحبوب غير كافية. ولهذا أصبحت البنية التحتية جزءاً من الأمن الغذائي. الطريق الزراعي، وسكة الحديد، والميناء، والمخزن، وسلسلة التبريد، كلها حلقات في سلسلة واحدة. وأي اختناق في إحدى هذه الحلقات يمكن أن يرفع تكلفة الغذاء. وهنا يظهر الدور المتزايد للممرات التجارية الإفريقية والموانئ الأطلسية والمتوسطية وموانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي. إنها ليست مجرد بنية للنقل. إنها شرايين للأمن الغذائي.

القوى الكبرى..الغذاء يدخل لعبة النفوذ

مع ارتفاع أهمية إفريقيا الجيوسياسية، أصبح الأمن الغذائي جزءاً من المنافسة بين القوى الكبرى. فالصين تبحث عن تعزيز علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع القارة. والاتحاد الأوروبي يريد الحفاظ على روابطه التاريخية والأسواق القريبة. فيما روسيا تستخدم حضورها في مجال الحبوب والأسمدة والطاقة ضمن سياق أوسع لعلاقاتها مع الدول الإفريقية. ودول الخليج توسع استثماراتها في الزراعة والأمن الغذائي والموانئ واللوجستيك. والولايات المتحدة تعمل على دعم الزراعة وسلاسل القيمة والتكنولوجيا في عدد من الدول الإفريقية. لكن من المهم ألا نقرأ هذه التحركات فقط بمنطق “المؤامرة”. فجزء كبير منها تحرك اقتصادي طبيعي وراء الأسواق والاستثمارات. غير أن الاقتصاد والجغرافيا السياسية أصبحا متداخلين إلى درجة يصعب معها الفصل بين التجارة والنفوذ.

روسيا.. الحبوب والأسمدة كأداة حضور

بعد الحرب في أوكرانيا، اكتسبت صادرات الحبوب والأسمدة الروسية أهمية إضافية في علاقات موسكو مع عدد من الدول الإفريقية. لكن المسألة لا تتعلق فقط بتوفير الغذاء. فعندما يصبح بلد ما مورداً رئيسياً لسلعة استراتيجية، فإن ذلك يمنحه مساحة من النفوذ الاقتصادي والسياسي. وهنا لا تختلف الحبوب كثيراً عن الطاقة أو المعادن: من يملك سلعة يحتاج إليها الآخرون، يمتلك ورقة تفاوض.

الصين..من الغذاء إلى البنية التحتية

أما الصين، فتنظر إلى إفريقيا ضمن رؤية أوسع تشمل البنية التحتية والتجارة والتصنيع واللوجستيك. وهذا مهم بالنسبة للزراعة. فالاستثمار في الطرق والسكك والموانئ والطاقة يمكن أن يرفع قيمة الإنتاج الزراعي الإفريقي حتى لو لم يكن المشروع زراعياً بالمعنى المباشر. والتحدي بالنسبة لإفريقيا هو تحويل هذه الاستثمارات إلى سلاسل قيمة محلية. أي ألا تظل القارة مجرد مصدر للمواد الخام، بل أن تنتقل إلى تصنيع الغذاء داخلها.

الخليج..البحث عن الأمن الغذائي خارج الحدود

أصبحت بعض دول الخليج، بحكم محدودية الأراضي والمياه لديها، أكثر اهتماماً بتأمين مصادر غذائية خارج حدودها. وهذا يجعل إفريقيا شريكاً طبيعياً. فالقارة تمتلك الأرض والمياه في بعض مناطقها، بينما يمتلك المستثمر الخليجي رأس المال والأسواق والقدرات اللوجستية. يمكن لهذه المعادلة أن تكون رابحة للطرفين. لكنها تحتاج إلى شروط دقيقة تمنع تحولها إلى علاقة يحصل فيها طرف على الأرض والموارد، بينما يحصل الطرف الآخر على عائد محدود.

أوروبا..القارة المجاورة والسوق الكبرى

بالنسبة للاتحاد الأوروبي، تمثل إفريقيا أقرب مجال جغرافي استراتيجي. والأمن الغذائي الإفريقي يرتبط أيضاً بالأمن الأوروبي، لأن أزمات الغذاء والهجرة وعدم الاستقرار في جنوب المتوسط يمكن أن تكون لها تداعيات مباشرة على أوروبا. وهنا يمكن أن يصبح التعاون الزراعي بين الطرفين أكثر أهمية في السنوات المقبلة. لكن نجاحه سيعتمد على قدرة أوروبا على الانتقال من منطق السوق المستوردة للمنتجات الإفريقية إلى شراكة تساعد على تطوير الإنتاج والتصنيع داخل القارة.

المغرب.. بوابة نحو الأمن الغذائي الإفريقي

هنا يبرز موقع المغرب باعتباره بلداً يملك خبرة متراكمة في مجالات الفلاحة والري والأسمدة والتعاون الزراعي الإفريقي. ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة مع امتلاك المملكة لقطاع فوسفاطي كبير وخبرة في إنتاج وتسويق الأسمدة، إضافة إلى توسع التعاون الزراعي مع دول إفريقية. وتشير المبادرات المغربية في هذا المجال إلى محاولة الانتقال من تصدير المنتجات إلى نقل الخبرة والمعرفة والتكنولوجيا.

وهذا يفتح أمام المغرب فرصة استراتيجية، أن يصبح جزءاً من الحل الإفريقي للأمن الغذائي، لا فقط من خلال التجارة، وإنما من خلال بناء منظومات إنتاج وتسميد وتكوين وتعاون جنوب-جنوب. هل يمكن أن يتحول الغذاء إلى سلاح؟ هذا السؤال يبدو قاسياً، لكنه ليس افتراضاً نظرياً بالكامل في أوقات الحرب والأزمات، يمكن أن تستخدم صادرات الغذاء أو منعها أو التحكم في طرق وصولها كأداة ضغط.

لكن الأخطر هو أن تتحول التبعية الغذائية إلى نقطة ضعف استراتيجية دائمة. الدولة التي تستورد معظم غذائها ولا تملك احتياطيات كافية أو مصادر متنوعة قد تصبح شديدة الحساسية للصدمات الخارجية. ولهذا فإن الأمن الغذائي يجب أن يُقرأ مثل أمن الطاقة؛ تنويع، واحتياطيات، وإنتاج محلي، وشركاء متعددون، وقدرة على الاستجابة للأزمات.

من الأمن الغذائي إلى السيادة الغذائية

هنا نصل إلى جوهر الملف. السيادة الغذائية لا تعني أن تنتج إفريقيا كل شيء. هذا غير واقعي وغير ضروري. لكنها تعني أن تكون قادرة على تأمين المواد الأساسية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير إنتاجها المحلي، وتصنيع مدخلاتها الزراعية، والتحكم في سلاسل القيمة الأساسية. بعبارة أخرى؛ أن يكون الاستيراد خياراً اقتصادياً، لا ضرورة وجودية.

ما وراء الخبر

المعركة على غذاء إفريقيا ليست معركة على القمح وحده. إنها معركة على الأرض والماء والبذور والأسمدة والطاقة والتكنولوجيا والموانئ والبيانات والأسواق. ولهذا فإن السؤال «من يملك غذاء إفريقيا؟» يجب أن يتحول إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: من يملك مفاتيح إنتاج الغذاء الإفريقي؟ إذا بقيت هذه المفاتيح موزعة خارج القارة، فإن زيادة الإنتاج وحدها لن تكون كافية لتحقيق السيادة الغذائية.

أما إذا استطاعت إفريقيا بناء منظومة متكاملة تبدأ من البحث والبذور، مروراً بالماء والأسمدة والطاقة، وصولاً إلى الإنتاج والتصنيع والتخزين والنقل والأسواق، فإن الغذاء يمكن أن يتحول من نقطة ضعف استراتيجية إلى مصدر قوة. وهنا يمكن أن تبدأ إفريقيا في كتابة فصل جديد من تاريخها الاقتصادي، ليست إفريقيا فقط أرضاً للزراعة، ولا سوقاً للغذاء، بل قوة غذائية محتملة تمتلك القدرة على التأثير في الأسواق العالمية.

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يحتاج إلى أكثر من الاستثمارات الأجنبية. يحتاج إلى قرار إفريقي مستقل.

وفي الفصل السادس من “ملفات الحدث الإفريقي” ننتقل إلى السؤال الذي سيحدد قدرة القارة على تحويل الإنتاج إلى قوة اقتصادية؛ هل تستطيع إفريقيا تصنيع غذائها؟ ولماذا تصدر القارة منتجاتها الزراعية في شكل خام، ثم تستوردها بعد التصنيع بأسعار أعلى؟ وهل يمكن أن تصبح الصناعات الغذائية بوابة إفريقيا نحو اقتصاد أكثر قيمة مضافة وأقل تبعية؟

نقرأ إفريقيا من الرباط.. ونقرأ العالم من إفريقيا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button