
ألمانيا-منير لكماني
ثمة لحظة تفقد فيها الوعود الانتخابية بريقها، وتصبح الأرقام أكثر بلاغة من الخطب. تلك اللحظة تحل عندما يطلب من السياسي أن يشرح، لا ماذا سيمنح الناخب، بل كيف سيمول ما يعده به. فمن السهل أن تعلن خفض الضريبة على الدخل، وأن تعد الطبقة المتوسطة بمزيد من المال في نهاية الشهر، لكن السؤال الذي لا ينبغي أن يسقط من أي برنامج جاد هو: كم سيكلف ذلك خزينة الدولة، ومن أين سيأتي المبلغ الذي سيعوض هذا التخفيض؟
الأرقام الأخيرة للتجارة الخارجية المغربية تجعل هذا السؤال أكثر إلحاحا. فخلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، بلغ العجز التجاري نحو 244.7 مليار درهم، مرتفعا بنسبة 26.5 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. وبلغت الواردات نحو 544 مليار درهم، بعدما ارتفعت بنسبة 15.9 في المئة، مقابل صادرات لم تتجاوز 299.3 مليار درهم، رغم نموها بنسبة 8.4 في المئة.
وهنا ينبغي تصحيح مفهوم يتكرر كثيرا: نسبة 55 في المئة ليست نسبة العجز التجاري، وإنما نسبة تغطية الصادرات للواردات. أي أن المغرب، مقابل كل مئة درهم من السلع التي يستوردها، يصدر ما قيمته نحو 55 درهما فقط. والفارق لا يعني أن الدولة ستذهب غدا مباشرة إلى جيوب المواطنين لتمويله، لأن الميزان التجاري والميزانية العامة شيئان مختلفان، لكنه يكشف اختلالا اقتصاديا لا يجوز تجاهله عند توزيع الوعود بسخاء.
فالاقتصاد الوطني يعمل داخل منظومة مترابطة: واردات متزايدة، فاتورة طاقة مرتفعة، حاجات اجتماعية كبيرة، استثمارات عمومية ضخمة، التزامات بالحماية الاجتماعية، ونفقات متنامية على التعليم والصحة والبنية التحتية. وسط هذه الضغوط، يصبح الحديث عن تخفيض كبير للضريبة على الدخل محتاجا إلى شيء أكثر جدية من عبارة جذابة داخل برنامج انتخابي.
من يريد خفض الضريبة فليقل للمغاربة كم ستخسر الخزينة من الإيرادات، وكيف سيعوض هذا النقص. هل عبر توسيع الوعاء الضريبي؟ هل بمحاربة التهرب والغش؟ هل بإدماج جزء أكبر من الاقتصاد غير المهيكل؟ هل بخفض نفقات الدولة؟ هل بزيادة الاقتراض؟ أم بفرض رسوم وضرائب أخرى بأسماء مختلفة؟
هذه ليست أسئلة تقنية موجهة إلى خبراء وزارة المالية، بل أسئلة سياسية من حق الناخب أن يحصل على جواب عنها قبل أن يمنح صوته.
فالبرنامج الذي يعد بخفض الضرائب من دون تحديد كلفة التخفيض ومصدر تمويله لا يقدم سياسة مالية، بل يقدم إعلانا انتخابيا. والفرق كبير بين الاثنين. السياسة المالية تبنى على أرقام وفرضيات وسيناريوهات، أما الإعلان فيكتفي بما يحب المواطن سماعه.
ولا يعني ذلك أن تخفيف الضريبة على الدخل غير ممكن أو غير مطلوب. على العكس، تحتاج الطبقة المتوسطة المغربية إلى متنفس حقيقي بعدما تآكلت قدرتها الشرائية وارتفعت عليها كلفة السكن والطاقة والغذاء والخدمات. لكن الدفاع عن خفض الضرائب يصبح أكثر إقناعا عندما يقترن بإصلاح ضريبي شامل، وتوسيع قاعدة المساهمين، وربط الإعفاءات بالنجاعة الاقتصادية، ومحاصرة الامتيازات غير المبررة.
المغاربة لا يحتاجون إلى من يعدهم بأن يأخذ منهم أقل فقط، بل إلى من يشرح لهم كيف سيدبر الدولة بما تبقى.
لقد نضج الناخب بما يكفي ليدرك أن المال العمومي لا يخلق بقرار حزبي، وأن كل تخفيض في مورد يحتاج إلى بديل، وكل إنفاق يحتاج إلى تمويل. لذلك حان الوقت لكي تخضع الوعود الانتخابية لاختبار بسيط: أرونا الحساب قبل أن تعرضوا علينا الوعد.
فالانتخابات قد تكافئ أجمل خطاب، لكن الاقتصاد، في النهاية، لا يصوت لأحد. الأرقام وحدها هي التي تحسم الحساب.



