سبتة ومليلية..الهجرة والسياسة وشرعية الأرض

لم تعد سبتة ومليلية مجرد ملف مؤجل في العلاقات المغربية الإسبانية، ولا مجرد عنوان يتكرر في الخطاب السياسي المغربي كلما استدعت الذاكرة التاريخية قضية السيادة. ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة أعاد المدينتين إلى قلب النقاش السياسي والدبلوماسي، ولكن هذه المرة في سياق شديد الحساسية ارتبطت بأزمة هجرة غير مسبوقة نحو الثغرين المحتلين، تابعتها تصريحات لوزراء مغاربة حول الحقوق التاريخية والجغرافية للمدينتين، ورد إسباني رسمي وشعبي، ثم إعلان زيارة مرتقبة للملك فيليبي السادس إلى المدينتين. بعدما صرّح بيدرو سانشيز في أوائل شهر سبتمبر 2026، أن الوقت أصبح مناسباً لتنظيم زيارة ملكية للمدينتين السليبتين.
وهنا بالضبط تكمن خطورة اللحظة؛ فالأزمة التي انفجرت في نهاية يوليوز، عندما شهدت سبتة تدفقاً جماعياً للمهاجرين، تحولت تدريجياً من أزمة إنسانية وأمنية إلى أزمة سياسية، قبل أن تفتح الباب من جديد أمام سؤال السيادة. أكدت خلالها السلطات المغربية أن التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر لعبا دوراً أساسياً في تأجيج محاولات العبور.
لكن اللافت أن ملف الهجرة لم يبق ملف هجرة، بل أصبح مدخلاً لإعادة طرح سؤال أعمق، وهو إلى متى ستظل سبتة ومليلية منطقتين معلقتين بين واقع جغرافي إفريقي ووضع سياسي إسباني؟
ذلك أن ما حدث في سبتة ليس مجرد رقم في سجلات الهجرة؛ بل كشفت هذه الهجرة الغير مسبوقة هشاشة الوضع القائم في المدينتين. فسبتة التي لا تبعد سوى بأمتار قليلة عن الأراضي المغربية، ومليلية المحتلة بدورها محاطة جغرافياً بالمغرب، بينما تنتمي سياسياً إلى إسبانيا. هذه المفارقة تجعل أي اضطراب في الحدود يتحول بسرعة إلى قضية تتجاوز الهجرة لتلامس الأمن والسيادة والعلاقات الدولية.
والأخطر أن الهجرة الجماعية الأخيرة أعادت إنتاج سؤال كان يفترض أن يبقى بعيداً عن التجاذبات اليومية، وهو هل يمكن أن يستمر الوضع القائم إلى ما لا نهاية؟
المغرب لم يتخل يوماً، من الناحية الرسمية، والشعبية أيضا، عن المطالبة بتحرير الثغرين المغربيين. وما قاله وزير العدل عبد اللطيف وهبي حول “الحقوق التاريخية والجغرافية” للمغرب لم يكن اختراعاً لمطلب جديد، بل إعادة تذكير بموقف معروف، وكان وهبي اقترح التفكير في آلية للحوار مع إسبانيا بهدف الوصول إلى حل نهائي للقضية، وإعادتهما إلى أصلهما الجغرافي المغربي.
لكن التوقيت هو الذي جعل التصريحات أكثر حساسية، فحين تأتي هذه المواقف بعد أزمة هجرة ضخمة، وفي ظل توتر سياسي وإعلامي، فإن مدريد التي أكدت أن الرباط ليس لها أي تدخل في هذه الهجرة الجماعية، تقرأ التصريحات المغربية باعتبارها جزءاً من سياق ضاغط، بينما تراها الرباط تأكيداً على قضية سيادية لا تسقط بالتقادم.
الإسبان لم يتركوا الرسالة المغربية دون جواب، فوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أعلن بوضوح أن مدريد لا ترى مجالاً لأي نقاش حول سيادة سبتة ومليلية على الأقل في الفترة الراهنة، بينما وصفت وزيرة الدفاع مارغريتا روبلس المدينتين بأنهما “إسبانيتان بالكامل”، مؤكدة أن أي تهديد لهما سيُنظر إليه باعتباره تهديداً لإسبانيا.
بعدها، جاء رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ليصعد المواجهة السياسية مع تصريحات مغربية اعتبرها “غير مقبولة”، حتى وهو يرفض في الوقت نفسه اتهام المغرب بالتخطيط لأزمة الهجرة الجماعية.
وهذه مفارقة تستحق التوقف. فمدريد التي تريد الفصل بين ملف الهجرة وملف السيادة، نسيت أن الأحداث نفسها تدفع الملفين إلى التقاطع. فالتدفق البشري الضخم جعل الحدود محور نقاش، والحدود تقود بالضرورة إلى الجغرافيا، والجغرافيا تقود إلى سؤال السيادة، وهو مطلب مغربي تاريخي وشرعي.
وسط هذا المناخ السياسي المكهرب، حيث نظمت تظاهرات في مختلف المدن الاسبانية تضامنا مع سبتة ومليلية، تم خلالها تمزيق العلم المغربي، وهو تصرف أرعن وغير مسؤول، جاء إعلان سانشيز أن الملك فيليبي السادس سيزور سبتة ومليلية خلال الأسابيع المقبلة.
ويبدو من خلال مجرى الأحداث المتواترة، أن المغرب أمام اختبار إدارة ملف سبتة ومليلية بروية وحكمة معهودة في المملكة. ذلك أن الرباط لا تحتاج اليوم إلى الانفعال. فالقضايا السيادية الكبرى لا تُدار بمنطق ردود الفعل السريعة، ولا بمنطق التصريحات المتبادلة، ولا بتحويل قضية تاريخية إلى مادة للاستهلاك السياسي الظرفي.
قوة الموقف المغربي تكمن أساساً في الشرعية التاريخية والجغرافيا وفي الاستمرارية بالمطالبة بتحريرها والهدوء والقدرة على إدارة زمن الأزمة. وإذا كان وهبي قد تحدث عن “الحوار” و”الصبر”، فإن هذه العبارة، ربما تكون أكثر دلالة من بعض التصريحات التي أثارت الجدل حول ملف سبتة ومليلية المغربيتين.
لأن السؤال في نظري ليس هو، هل يستطيع المغرب أن يعلن موقفه؟ بل السؤال هو، كيف يحول المغرب هذا الموقف إلى مسار سياسي ودبلوماسي يتجه نحو الحل النهائي وفق نسق دبلوماسي رصين وحكيم، من دون أن يسمح بتحويل سبتة ومليلية إلى نقطة صدام مع إسبانيا؟.
وهنا تبرز أهمية العلاقة المغربية الإسبانية نفسها. فمدريد والرباط تحتاجان بعضهما البعض في ملفات الأمن والهجرة ومحاربة الإرهاب والتجارة والطاقة والاستقرار المتوسطي. بل إن رئيس الحكومة الإسباني نفسه، رغم الأزمة، نفى وجود أدلة قاطعة على أن المغرب دبّر عملية العبور الجماعي إلى سبتة، وأقر بأهمية التعاون مع الرباط في احتواء تداعيات الأزمة.
إذن، هناك خلاف استراتيجي حول السيادة، ولكن هناك في الوقت نفسه، تشابك استراتيجي يجعل القطيعة خياراً مكلفاً للطرفين. وقد تكون أزمة سبتة الحالية فرصة، paradoxically، لإعادة التفكير في العلاقة المغربية الإسبانية. ذلك، ليس المطلوب أن يتنازل المغرب عن مطالبه التاريخية، وليس مطلوباً من إسبانيا أن تتخلى عن موقفها السياسي الحالي. لكن المطلوب هو الاعتراف بأن استمرار تجاهل القضية لا يعني اختفاءها.
سبتة ومليلية..الهجرة والسياسة وشرعية الأرض
لم تعد سبتة ومليلية مجرد ملف مؤجل في العلاقات المغربية الإسبانية، ولا مجرد عنوان يتكرر في الخطاب السياسي المغربي كلما استدعت الذاكرة التاريخية قضية السيادة. ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة أعاد المدينتين إلى قلب النقاش السياسي والدبلوماسي، ولكن هذه المرة في سياق شديد الحساسية ارتبطت بأزمة هجرة غير مسبوقة نحو الثغرين المحتلين، تابعتها تصريحات لوزراء مغاربة حول الحقوق التاريخية والجغرافية للمدينتين، ورد إسباني رسمي وشعبي، ثم إعلان زيارة مرتقبة للملك فيليبي السادس إلى المدينتين. بعدما صرّح بيدرو سانشيز في أوائل شهر سبتمبر 2026، أن الوقت أصبح مناسباً لتنظيم زيارة ملكية للمدينتين السليبتين.
وهنا بالضبط تكمن خطورة اللحظة؛ فالأزمة التي انفجرت في نهاية يوليوز، عندما شهدت سبتة تدفقاً جماعياً للمهاجرين، تحولت تدريجياً من أزمة إنسانية وأمنية إلى أزمة سياسية، قبل أن تفتح الباب من جديد أمام سؤال السيادة. أكدت خلالها السلطات المغربية أن التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر لعبا دوراً أساسياً في تأجيج محاولات العبور.
لكن اللافت أن ملف الهجرة لم يبق ملف هجرة، بل أصبح مدخلاً لإعادة طرح سؤال أعمق، وهو إلى متى ستظل سبتة ومليلية منطقتين معلقتين بين واقع جغرافي إفريقي ووضع سياسي إسباني؟
ذلك أن ما حدث في سبتة ليس مجرد رقم في سجلات الهجرة؛ بل كشفت هذه الهجرة الغير مسبوقة هشاشة الوضع القائم في المدينتين. فسبتة التي لا تبعد سوى بأمتار قليلة عن الأراضي المغربية، ومليلية المحتلة بدورها محاطة جغرافياً بالمغرب، بينما تنتمي سياسياً إلى إسبانيا. هذه المفارقة تجعل أي اضطراب في الحدود يتحول بسرعة إلى قضية تتجاوز الهجرة لتلامس الأمن والسيادة والعلاقات الدولية.
والأخطر أن الهجرة الجماعية الأخيرة أعادت إنتاج سؤال كان يفترض أن يبقى بعيداً عن التجاذبات اليومية، وهو هل يمكن أن يستمر الوضع القائم إلى ما لا نهاية؟
المغرب لم يتخل يوماً، من الناحية الرسمية، والشعبية أيضا، عن المطالبة بتحرير الثغرين المغربيين. وما قاله وزير العدل عبد اللطيف وهبي حول “الحقوق التاريخية والجغرافية” للمغرب لم يكن اختراعاً لمطلب جديد، بل إعادة تذكير بموقف معروف، وكان وهبي اقترح التفكير في آلية للحوار مع إسبانيا بهدف الوصول إلى حل نهائي للقضية، وإعادتهما إلى أصلهما الجغرافي المغربي.
لكن التوقيت هو الذي جعل التصريحات أكثر حساسية، فحين تأتي هذه المواقف بعد أزمة هجرة ضخمة، وفي ظل توتر سياسي وإعلامي، فإن مدريد التي أكدت أن الرباط ليس لها أي تدخل في هذه الهجرة الجماعية، تقرأ التصريحات المغربية باعتبارها جزءاً من سياق ضاغط، بينما تراها الرباط تأكيداً على قضية سيادية لا تسقط بالتقادم.
الإسبان لم يتركوا الرسالة المغربية دون جواب، فوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أعلن بوضوح أن مدريد لا ترى مجالاً لأي نقاش حول سيادة سبتة ومليلية على الأقل في الفترة الراهنة، بينما وصفت وزيرة الدفاع مارغريتا روبلس المدينتين بأنهما “إسبانيتان بالكامل”، مؤكدة أن أي تهديد لهما سيُنظر إليه باعتباره تهديداً لإسبانيا.
بعدها، جاء رئيس الحكومة بيدرو سانشيز ليصعد المواجهة السياسية مع تصريحات مغربية اعتبرها “غير مقبولة”، حتى وهو يرفض في الوقت نفسه اتهام المغرب بالتخطيط لأزمة الهجرة الجماعية.
وهذه مفارقة تستحق التوقف. فمدريد التي تريد الفصل بين ملف الهجرة وملف السيادة، نسيت أن الأحداث نفسها تدفع الملفين إلى التقاطع. فالتدفق البشري الضخم جعل الحدود محور نقاش، والحدود تقود بالضرورة إلى الجغرافيا، والجغرافيا تقود إلى سؤال السيادة، وهو مطلب مغربي تاريخي وشرعي.
وسط هذا المناخ السياسي المكهرب، حيث نظمت تظاهرات في مختلف المدن الاسبانية تضامنا مع سبتة ومليلية، تم خلالها تمزيق العلم المغربي، وهو تصرف أرعن وغير مسؤول، جاء إعلان سانشيز أن الملك فيليبي السادس سيزور سبتة ومليلية خلال الأسابيع المقبلة.
ويبدو من خلال مجرى الأحداث المتواترة، أن المغرب أمام اختبار إدارة ملف سبتة ومليلية بروية وحكمة معهودة في المملكة. ذلك أن الرباط لا تحتاج اليوم إلى الانفعال. فالقضايا السيادية الكبرى لا تُدار بمنطق ردود الفعل السريعة، ولا بمنطق التصريحات المتبادلة، ولا بتحويل قضية تاريخية إلى مادة للاستهلاك السياسي الظرفي.
قوة الموقف المغربي تكمن أساساً في الشرعية التاريخية والجغرافيا وفي الاستمرارية بالمطالبة بتحريرها والهدوء والقدرة على إدارة زمن الأزمة. وإذا كان وهبي قد تحدث عن “الحوار” و”الصبر”، فإن هذه العبارة، ربما تكون أكثر دلالة من بعض التصريحات التي أثارت الجدل حول ملف سبتة ومليلية المغربيتين.
لأن السؤال في نظري ليس هو، هل يستطيع المغرب أن يعلن موقفه؟ بل السؤال هو، كيف يحول المغرب هذا الموقف إلى مسار سياسي ودبلوماسي يتجه نحو الحل النهائي وفق نسق دبلوماسي رصين وحكيم، من دون أن يسمح بتحويل سبتة ومليلية إلى نقطة صدام مع إسبانيا؟.
وهنا تبرز أهمية العلاقة المغربية الإسبانية نفسها. فمدريد والرباط تحتاجان بعضهما البعض في ملفات الأمن والهجرة ومحاربة الإرهاب والتجارة والطاقة والاستقرار المتوسطي. بل إن رئيس الحكومة الإسباني نفسه، رغم الأزمة، نفى وجود أدلة قاطعة على أن المغرب دبّر عملية العبور الجماعي إلى سبتة، وأقر بأهمية التعاون مع الرباط في احتواء تداعيات الأزمة.
إذن، هناك خلاف استراتيجي حول السيادة، ولكن هناك في الوقت نفسه، تشابك استراتيجي يجعل القطيعة خياراً مكلفاً للطرفين. وقد تكون أزمة سبتة الحالية فرصة، paradoxically، لإعادة التفكير في العلاقة المغربية الإسبانية. ذلك، ليس المطلوب أن يتنازل المغرب عن مطالبه التاريخية، وليس مطلوباً من إسبانيا أن تتخلى عن موقفها السياسي الحالي. لكن المطلوب هو الاعتراف بأن استمرار تجاهل القضية لا يعني اختفاءها.



