السيرة النبوية ومقتضيات الإنصاف: بين الاستشراق والتنوير المعاصر

ألمانيا :منير لكماني
لم تكن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم حدثا دينيا عابرا في تاريخ العرب، بل كانت نقطة تحول أعادت صياغة الإنسان والمجتمع والضمير على أسس جديدة. جاء برسالة التوحيد في عالم تتنازع فيه الوثنيات والعصبيات والمصالح، فرد الإنسان إلى خالقه، وحرره من الخضوع لغير الله، وربط الكرامة بالتقوى، والقوة بالعدل، والسلطة بالمسؤولية، والعلاقة بين الناس بالرحمة والوفاء والحق. ولم تبق هذه القيم وعظا مجردا، بل تحولت على يديه إلى واقع عاشه الناس، ونظام أخلاقي واجتماعي أخرج أمة من التفرق إلى الاجتماع، ومن الثأر إلى القانون، ومن العصبية إلى رابطة العقيدة والمسؤولية.
لهذا تبدو السيرة النبوية أكبر من أن تختزل في نجاح سياسي أو تحول اجتماعي. فقد اجتمع في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ما ندر اجتماعه في غيره: قوة الإيمان، وصفاء الخلق، وثبات المبدأ، وحكمة القيادة، والقدرة على تربية الإنسان قبل إدارة الدولة. بدأ دعوته من غير سلطان ولا مال ولا جيش، وتحمل الأذى والحصار والهجرة، ثم غادر الدنيا وقد تغير وجه الجزيرة العربية، وبدأت رسالة الإسلام تشق طريقها إلى شعوب وحضارات بعيدة، حاملة معها تصورا جديدا للإنسان والحياة والعمران.
وأمام هذا الأثر الممتد، لم يستطع كثير من الباحثين الغربيين تجاهل فرادة التجربة المحمدية، حتى وإن لم ينطلقوا من الإيمان الإسلامي. والاستشراق نفسه لم يكن موقفا واحدا؛ فقد عرف كتابات متحاملة ومواقف متأثرة بخلفيات دينية وسياسية، كما عرف دراسات حاول أصحابها الاقتراب من السيرة بقدر من الإنصاف والموضوعية.
ومن أشهر من توقفوا عند قوة التأثير المحمدي الباحث الأمريكي مايكل هارت، الذي وضع النبي محمدا صلى الله عليه وسلم في مقدمة الشخصيات الأكثر تأثيرا في التاريخ، مستندا إلى ما جمعه من تأثير ديني واجتماعي وسياسي استثنائي. كما رأى وليام مونتغمري وات أن تصوير النبي في صورة الباحث عن المجد أو صاحب الادعاء لا ينسجم مع ما تحمله من اضطهاد، ولا مع قوة الإيمان التي صنعت حوله جماعة مستعدة للتضحية والثبات.
أما ألفونس دو لامارتين، فقد توقف عند التفاوت المدهش بين محدودية الوسائل وضخامة النتائج، فرأى في محمد شخصية غيرت العقائد والأفكار والأخلاق والمجتمعات. كما رفض توماس كارليل الصورة التي رسمتها بعض الكتابات الأوروبية القديمة للنبي بوصفه مدعيا، معتبرا أن أثرا تاريخيا بهذه القوة والاستمرار لا يمكن تفسيره بالخداع أو الطموح الشخصي.
ولا يحتاج المسلم إلى هذه الشهادات ليعرف قدر نبيه، فمكانة محمد صلى الله عليه وسلم مستقرة في عقيدته ووجدانه بنص الوحي وثبوت الرسالة. غير أن أهميتها تكمن في أنها صادرة عن باحثين نظروا إلى التجربة من خارج الإيمان الإسلامي، ثم وجدوا أنفسهم أمام شخصية لا يستطيع الباحث الجاد تجاوز عظمتها أو اختزالها في صور نمطية جاهزة.
وهنا تبرز مفارقة بعض الخطابات العربية المعاصرة. فبينما استطاع باحثون غير مسلمين أن يتناولوا النبي صلى الله عليه وسلم بقدر من الاحترام والإنصاف، يظهر بين حين وآخر من يصف نفسه بـ«التنويري» ثم يجعل من السخرية من المقدسات أو التطاول على مقام النبوة دليلا على الجرأة والاستقلال الفكري.
ولا تكمن المشكلة في التفكير أو البحث أو مناقشة التراث، فالعلماء أنفسهم مارسوا النقد والتحقيق والتمحيص عبر قرون، وإنما تبدأ المشكلة حين ينتهي الدليل ويبدأ الاستفزاز، وحين تستبدل الحجة بالإهانة، ويقدم العبث بمشاعر المسلمين بوصفه بطولة فكرية. فالتنوير الحقيقي يرتقي بالعقل، ولا يحط من الأخلاق، ويبحث عن الحقيقة دون أن يحول الإساءة إلى منهج.
لقد استطاع بعض المستشرقين أن يروا في السيرة ما يستحق التقدير رغم اختلاف المرجعيات، بينما يعجز بعض أبناء الثقافة نفسها عن بلوغ الحد الأدنى من الإنصاف. وهنا يصبح السؤال أخلاقيا بقدر ما هو معرفي: هل الحرية أن تقول ما تشاء، أم أن تمتلك من قوة العقل ما يجعلك عادلا حتى وأنت تناقش ما لا تنتمي إليه؟
محمد صلى الله عليه وسلم لا تزيده شهادة مادح رفعة، ولا تنقص من مقامه إساءة متطاول. غير أن طريقة الحديث عنه تكشف كثيرا عن المتحدث نفسه. فالتنوير الذي يستمد شجاعته من إهانة المقدسات ليس تنويرا، والنقد الذي يفقد العدل يفقد قيمته، أما السيرة النبوية فتبقى، بعد أربعة عشر قرنا، شاهدة على رسالة غيرت الإنسان والتاريخ، ولا تزال حاضرة في ضمير أمة وحياة حضارة.



