Hot eventsأخبارإفريقياالذكاء الاصطناعي AIالرئيسيةتقارير وملفات

الانتخابات المغربية..أي مستقبل للاستراتيجية التنموية وعلاقات المملكة الاقتصادية مع إفريقيا؟

الحدث الإفريقي –عبد السلام العزوزي

مع انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات التشريعية المغربية المقررة في 23 شتنبر 2026، تدخل الأحزاب السياسية مرحلة جديدة من التنافس على أصوات الناخبين، لكن المعركة الانتخابية هذه المرة تتجاوز سؤال الأغلبية والمعارضة وتشكيل الحكومة المقبلة، لتلامس سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بمستقبل النموذج التنموي للمغرب وموقع المملكة في التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي تعرفها القارة الإفريقية ومحيط البحر الأبيض المتوسط,

فالمغرب يدخل هذه الانتخابات في ظرف اقتصادي واستراتيجي مختلف عما كان عليه قبل سنوات. مشاريع البنية التحتية الكبرى، وتسريع الاستثمار، والتحول الطاقي، والصناعة، والاقتصاد الأزرق، والاستعداد لاستحقاقات كبرى من بينها مونديال 2030، كلها تجعل الحكومة المقبلة أمام مهمة مزدوجة، تتعلق بالحفاظ على دينامية الاستثمار الداخلي، وفي الوقت نفسه تحويل الحضور المغربي في إفريقيا من نفوذ اقتصادي متنامٍ إلى منظومة متكاملة للقيمة والإنتاج والتجارة.

الانتخابات..من تدبير المرحلة إلى تحديد الأولويات

الحملة الانتخابية لا تطرح فقط البرامج الاجتماعية والاقتصادية التقليدية، وإنما تضع الأحزاب أمام اختبار قدرتها على تقديم تصور واضح لما بعد مرحلة الأوراش الكبرى.

فصندوق الاقتراع سيكون، عملياً، للتصويت على مجموعة من الخيارات المرتبطة بالاقتصاد المغربي؛ حجم الاستثمار العمومي، دعم القطاع الخاص، خلق فرص الشغل، تقليص الفوارق المجالية، إصلاح التعليم والصحة، الأمن المائي والطاقي، والتحول الرقمي، إضافة إلى موقع المغرب في سلاسل الإنتاج والتجارة الدولية.

ويكتسب هذا النقاش أهمية خاصة في ضوء تقديرات صندوق النقد الدولي التي تشير إلى أن برنامج الاستثمار في البنية التحتية والربط والسياحة خلال الفترة 2024-2030 يبلغ نحو 190.3 مليار درهم، مع توقع أن يرفع هذا الاستثمار النمو الحقيقي بنحو نقطة مئوية في الأجل القريب ونحو نصف نقطة في الأجل المتوسط.

لكن الرهان لا يتعلق بحجم الإنفاق فقط، بل بقدرة هذه الاستثمارات على إنتاج قيمة مضافة وفرص شغل وتحسين تنافسية الاقتصاد المغربي.

من التنمية الوطنية إلى العمق الإفريقي

هنا تحديداً تبرز إفريقيا باعتبارها أحد الملفات التي ستختبر جدية البرامج الاقتصادية للأحزاب. فالمغرب لم يعد يتعامل مع القارة باعتبارها مجرد سوق لتصريف المنتجات، وإنما باعتبارها فضاءً استراتيجياً للاستثمار والإنتاج والربط اللوجستي والتمويل والطاقة.

وفي نفس السياق، أكدت مشاورات البنك الإفريقي للتنمية حول استراتيجية الاندماج الإقليمي لشمال إفريقيا في يونيو 2026، أن المغرب يمتلك موقعاً يؤهله للقيام بدور حلقة وصل بين شمال إفريقيا والساحل وغرب إفريقيا وأوروبا، مع إبراز قطاعات مثل الصناعات الغذائية والسيارات والطيران والنسيج والصناعات الدوائية والتعدين والطاقة الخضراء.

وبالتالي، فإن أي حكومة ستنبثق عن انتخابات 23 شتنبر ستكون مطالبة بالإجابة عن سؤال جوهري، هو كيف ينتقل المغرب من الاستثمار في إفريقيا إلى بناء سلاسل قيمة إفريقية يكون المغرب أحد مراكزها الصناعية واللوجستية والمالية؟

الأطلسي.. البعد الاقتصادي الجديد للعلاقة مع إفريقيا

ويأتي هذا السؤال في سياق تحرك مغربي متسارع لإعادة صياغة موقع المملكة في الفضاء الأطلسي.

فالمبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس لفائدة دول الساحل غير المطلة على البحر، لا تحمل في جوهرها بعداً جيوسياسياً فقط، وإنما تتضمن تصوراً اقتصادياً يقوم على فتح ممرات جديدة أمام التجارة والاستثمار وربط الاقتصادات الداخلية في القارة بالموانئ والممرات الأطلسية.

كما أن مسار الدول الإفريقية الأطلسية يتجه نحو بناء فضاء أكثر اندماجاً، وهو ما أكدته إعلان الرباط الصادر عن اجتماع رؤساء برلمانات الدول الإفريقية الأطلسية، الذي شدد على أهمية البنيات التحتية والربط التجاري والاستثمارات والتكامل الاقتصادي، وعلى إمكانية جعل الساحل الأطلسي الإفريقي منصة للتجارة والاستثمار والتواصل مع العالم.

ومن هنا، تصبح مشاريع مثل ميناء الداخلة الأطلسي، والطريق السريع تيزنيت-الداخلة، ومشروع أنبوب الغاز المغرب-نيجيرياأكثر من مجرد أوراش وطنية؛ فهي أجزاء من تصور أوسع لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للمنطقة.

المغرب وإفريقيا.. حدة المنافسة تزداد

غير أن الطريق لن يكون مفروشاً بالسهولة. فالقارة الإفريقية أصبحت اليوم ساحة تنافس اقتصادي دولي شديد، تتقاطع فيها مصالح الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج وتركيا وغيرها.

وتشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن إفريقيا استقطبت نحو 70 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر في 2025، فيما تتركز الاستثمارات الجديدة خصوصاً في الطاقة والبنية التحتية والمعادن الاستراتيجية وبعض الصناعات. 

كما أن منتدى الاستثمار الإفريقي المنعقد في الرباط سنة 2025 نجح في تعبئة اهتمام استثماري بلغ 15.3 مليار دولار لفائدة 39 مشروعاً قابلاً للتمويل، بما يعكس تصاعد المنافسة على فرص الاستثمار بالقارة.

وهذا يعني أن المغرب لا ينافس فقط من أجل الحضور، بل ينافس على الموقع داخل منظومة اقتصادية إفريقية تتشكل من جديد.

القطاع الخاص..الحلقة التي ستحدد النجاح

أحد أكبر التحديات التي ستواجه الحكومة المقبلة سيكون نقل العلاقات الاقتصادية مع إفريقيا من مستوى الحضور المؤسساتي والدبلوماسي إلى مستوى أكبر من الشراكات الصناعية والتجارية المستدامة.

فالاستثمار المغربي في إفريقيا يحتاج إلى الانتقال تدريجياً من منطق الشركات الكبرى إلى منظومة أوسع تشمل المقاولات المتوسطة والصغيرة، والشركات الناشئة، والرقمنة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا المالية، والصناعات الغذائية والدوائية، والطاقة المتجددة.

وهنا تتقاطع الاستراتيجية الإفريقية مع ورقة الطريق المغربية للتجارة الخارجية 2025-2027، التي تربط التجارة الخارجية بالاستثمار المنتج و”صنع في المغرب” وخلق فرص العمل والنمو. 

الاقتصاد الأزرق..ورقة مغربية جديدة في إفريقيا

ومن الملفات التي قد تعزز هذا التوجه الاقتصاد الأزرق. فالمغرب يعمل على بلورة استراتيجية وطنية للاقتصاد الأزرق تجعل من المحيط الأطلسي رافعة للتنمية والاستثمار والاستدامة، وتطرح تصوراً لـ”قطب اقتصادي أطلسي” يستفيد من موقع المملكة وموانئها وانفتاحها على إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين.

وهذا التحول يمكن أن يمنح المغرب فرصة إضافية للربط بين طموحاته الوطنية ورؤيته الإفريقية، خصوصاً في مجالات الموانئ والصيد البحري واللوجستيك والطاقة والسياحة والاقتصاد الرقمي.

ما الذي ينتظره الناخب من الحكومة المقبلة؟

مع انطلاق الحملة الانتخابية، سيكون التحدي أمام الأحزاب هو الانتقال من لغة الوعود إلى لغة المؤشرات والأهداف القابلة للقياس.

فالناخب يريد معرفة كيف ستتحول الاستثمارات الكبرى إلى وظائف، وكيف ستصل ثمار النمو إلى الجهات الأقل استفادة، وكيف سيتم التحكم في كلفة الماء والطاقة، وكيف سيجري دعم المقاولة المغربية في مواجهة المنافسة الخارجية.

وفي المقابل، ينتظر الشركاء الأفارقة من المغرب المزيد من الاستثمار ونقل الخبرة وبناء المشاريع المشتركة، وليس مجرد تصدير المنتجات والخدمات.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الانتخابات المقبلة بالنسبة للعلاقة الاقتصادية مع إفريقيا، فالحكومة التي ستنبثق عن صناديق الاقتراع ستكون مطالبة بتحديد ما إذا كان المغرب سيكتفي بالحفاظ على موقعه الحالي داخل القارة، أم سينتقل إلى مرحلة جديدة يصبح فيها أحد محركات الاندماج الاقتصادي الإفريقي.

ما وراء الخبر

الانتخابات المغربية المقبلة تجري في لحظة تتقاطع فيها السياسة الداخلية مع الجغرافيا الاقتصادية الخارجية.

فالمغرب الذي يستثمر في موانئه وطرقه وسككه الحديدية وصناعته وطاقاته المتجددة، يستثمر في الوقت نفسه في موقعه الإفريقي. وكلما ارتفعت جودة البنية التحتية والإنتاجية داخل المملكة، ازدادت قدرة الشركات المغربية على التحرك في القارة.

لذلك، فإن الرهان الحقيقي للحملة الانتخابية لا يقتصر على من سيشكل الحكومة المقبلة، بل يمتد إلى أي نموذج اقتصادي سيقود المغرب خلال العقد المقبل، وكيف سيترجم هذا النموذج إلى قوة إنتاجية وتجارية واستثمارية داخل إفريقيا.

إنها لحظة انتقال من دبلوماسية الحضور إلى اقتصاد النفوذ، ومن الاستثمار المنفرد إلى بناء منظومات إقليمية للقيمة.وفي هذا التحول، ستظل إفريقيا بالنسبة إلى المغرب أكثر من عمق جغرافي؛ إنها، على نحو متزايد، جزء من معادلة التنمية الوطنية نفسها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button