Hot eventsأخبارأخبار سريعةثقافة و فن

أبو حذيفة… المجذوب الذي حيّر أهل الناظور

بقلم الأديب: مولاي الحسن بنسيدي علي

شخصية شغلت الناس بحضورها كما شغلتهم بغيابها، وكثر حولها الجدل في زمن من عاصروها، وفي زمن من لم يعرفوها إلا من خلال ما تناقلته الألسن من أخبار وحكايات. رجل غريب الأطوار، غامض المجيء والرحيل، ترك في ذاكرة المدينة أثرًا لم تستطع السنون أن تمحوه.
فمن يكون صاحب هذه الحكاية؟
كان رجلًا أشعث الشعر، قد تدلّى على كتفيه العريضتين، يرتدي أسمالًا بالية، غلب عليها التمزق والإهمال. أسمر داكن البشرة، شديد الملامح، قوي البنية، يوحي في هيئته بشيء من القسوة، غير أن من اقترب منه عرف فيه لينًا ودماثة وحسن معاملة للناس.
اتخذ لنفسه، عند سفح ربوة يعلوها ضريح سيدي علي، ويطل على الميناء الصغير حيث ترسو مراكب الصيادين، كوخًا متواضعًا أقامه من الورق المقوى والخشب والقش، وما تيسر له من خز البحر والطين. كان يأوي إليه ليلًا، ويحتمي به من المطر والبرد.
وكان الصيادون يقصدونه قبل أن يركبوا البحر، يستأنسون به، ويلتمسون منه الدعاء بالخير والسلامة. كانوا يعطفون عليه ويرقّون لحاله؛ فمنهم من كان يراه وليًا من أولياء الله الصالحين، ومنهم من كان يعدّه مجذوبًا غلب عليه حاله، أو رجلًا اختل عقله فرفع عنه القلم.
أما اسمه، فلم يكن الناس على قول واحد فيه. فكان بعضهم يناديه أبا حذيفة، وآخرون ميمونًا، ومنهم من أطلق عليه الفيلسوف أو الحكيم أو العالم أو الفقير. تعددت الأسماء، وبقي الرجل واحدًا، وبقيت شخصيته عصية على التفسير.
قلت لجلسائي، الحاج مصطفى وإدريس:
«ليتني عرفته في زمنه، وليتني جلست إليه وسألته عن نفسه، وعن سر مجيئه إلى مدينتنا، ومن أين جاء، وإلى أين مضى.»
ابتسما، ثم أجاباني بصوت يكاد يكون واحدًا:
«لا عليك، سنزودك بما عشنا منه وما سمعناه عنه، وبكثير مما راج حول هذا الرجل الذي وفد على مدينتنا من مكان ظل مجهولًا إلى يومنا هذا.»
قال الحاج مصطفى:
«كنت، بمعية أقراني من الشباب، طالبًا بقسم الملاحظة في إعدادية الكندي. وما إن نخرج من الفصل حتى نهرول لنرى العم أبا حذيفة. كان لنا مقصدًا ومحطة لا نمل زيارتها. نأتيه بما أفاء الله علينا من خبز وجبن، وما تيسر من نقود قليلة، فيبتسم في وجوهنا، ثم يشير إلى أحدنا قائلًا:
ما سؤالك اليوم؟
فتتعالى الأصابع كما لو أننا في القسم:
أنا… أنا… أنا!
فيبتسم ويقول:
لا عليكم، سأجيب كل واحد منكم.
وكانت أسئلتنا تتشعب بين الأدب والتاريخ والأنساب والرياضيات والفلسفة، بل كنا نسأله أحيانًا عن الفرق الرياضية العالمية وكرة القدم. وكان يجيبنا بما يدهشنا، فيصيب في مواضع كثيرة، ويفتح لنا أبوابًا من التفكير لم نكن نعرفها.»
ثم سكت الحاج مصطفى لحظة، وكأن ذاكرة بعيدة قد انفتحت أمامه، وقال:
«كان أبو حذيفة، أو ميمون، أو الفيلسوف… لا يهم كثيرًا أي الأسماء كان اسمه الحقيقي؛ فما بقي في الذاكرة ليس اسمه، وإنما علمه وأدبه وما تركه في نفوس من عرفوه.»
وكان أحيانًا يبكي في صمت، كلما ذُكر حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سمع من يطعن في الصحابة وأمهات المؤمنين. وكان يأخذ الأمر على محمل الجد، وكأن الحديث عن الدين عنده ليس مجالًا للمزاح أو القول بغير علم.
وما زلت أذكر، يقول الحاج مصطفى، إحدى مواعظه لنا، حين حدثنا عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، ذلك الصحابي الذي كان يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشر مخافة أن يدركه، ثم أورد لنا الحديث المشهور الذي قال فيه حذيفة رضي الله عنه:
«كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني… “الحديث”»
ثم مضى أبو حذيفة يشرح لنا معنى الحديث، ويحذر من الفتن، ومن القول بغير علم، ومن اتباع السبل التي تفرّق الناس عن الحق.
ولم أكن يومها، يقول الحاج مصطفى، أفهم سر تعلق الرجل باسم أبي حذيفة، ولا سر اختياره له دون غيره.
أما اليوم، وقد كبرنا وشخنا، وبلغ العمر منا مبلغًا، صرت أفهم شيئًا مما كان يختبئ وراء ذلك الاسم.
ربما كان الرجل يخشى أن يموت وهو متقول على الله أو رسوله بغير علم، أو أن يلقى الله وهو على ضلالة أو متبع لسبيل من سبل الغواية. وربما كان في اختياره لذلك الاسم تعبير عن إعجاب بصحابي جليل جعل من السؤال عن الشر وسيلة للوقاية منه، ومن معرفة الفتنة سبيلًا إلى النجاة منها.
لا أدري أكان أبو حذيفة عالمًا متواريًا في ثوب مجذوب، أم مجذوبًا كانت له لحظات من صفاء المعرفة، أم رجلًا غريبًا حمل من العلم أكثر مما حمل من الدنيا. ولا أملك دليلًا يحسم الأمر، لكنني أعرف أن الذين عاشروه لم ينسوه.
هنا شعرت بشيء يعتصر صدري، ونزلت من عيني دمعة وأنا أقول:
رحم الله أبا حذيفة، وأسكنه فسيح جناته.
ربت صديقي إدريس على كتفي، وقال:
«نحن ننتظر منك أن تدوّن سيرة هذا الرجل. وعلى الله أجرك. ولعل خير ما تكتب عنه أولياء الله الصالحين، بدل أن تهدر قلمك في الكتابة عن من لا يستحق… من أمثال العشاب وصاحب العصيدة وماهر الأفّاك…»
ثم افترقنا، ومضى كل واحد منا إلى غايته، وبقي في نفسي شيء من الحنين إلى رجل لم أعرفه إلا من خلال ذاكرة الآخرين.
مضيت وأنا أتساءل:
من كان أبو حذيفة؟
أكان وليًا صالحًا أخفى نفسه عن الناس؟
أم كان مجذوبًا حملته الأقدار إلى سفح الربوة؟
أم كان عالمًا اختار أن يعيش بعيدًا عن صخب المدن وأهلها؟
أم أن الحقيقة، كما يحدث كثيرًا مع رجال الذاكرة الشعبية، ضاعت بين ما عاشه الناس وما تخيلوه، وبين ما رأته العيون وما حفظته الألسن؟
لا جواب عندي.
غير أن شيئًا واحدًا بقي راسخًا في الذاكرة: رجل أشعث الشعر، رث الثياب، قوي البنية، غريب الهيئة، جلس في كوخ متواضع عند سفح ربوة سيدي علي، يطل على بحر الصيادين، فأصبح مع مرور الزمن جزءًا من ذاكرة المدينة.
لقد رحل أبو حذيفة، وبقيت الحكاية.
ورحل المجذوب، وبقي السؤال.
وبين أبي حذيفة بن اليمان الصحابي الجليل، وأبي حذيفة المجذوب الذي عاش بيننا، ظلت الذاكرة الشعبية تنسج خيطًا غامضًا من المحبة والهيبة والتساؤل.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن الرجل، مهما اختلف الناس في حقيقته، ترك وراءه أثرًا لم تستطع السنون اقتلاعه.
وهكذا، حين نتذكره اليوم، لا نستعيد رجلًا مجهول الأصل فحسب، وإنما نستعيد زمنًا بأكمله؛ زمنًا كان فيه للغريب مكان، وللحكيم مجلس، وللبحر حكاياته، وللصيادين أدعيتهم، وللناس قدرة عجيبة على تحويل شخص مجهول إلى جزء من وجدان المدينة.
رحم الله أبا حذيفة… ورحم الله تلك الأيام التي كان فيها للمدينة رجالٌ لا يعرف الناس أسماءهم الحقيقية، لكنهم يعرفون جيدًا أنهم لن ينسوهم.
قال الدكتور اعراب ٱمين.
……..

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button