أخبارالرئيسيةفي الصميم

الجرار و الوعود الانتخابية..حين يغيب التعليم العالي ويترك الموظف رهين الرسوم

بقلم/ ربيع كنفودي

في خضم السباق الانتخابي، يتحدث حزب الأصالة والمعاصرة عن تحسين القدرة الشرائية، وإصلاح التقاعد، ودعم الأرامل، ومراجعة الضرائب، وإلغاء المؤشر، وهي ملفات اجتماعية واقتصادية تكتسي أهمية بالغة، لكن وسط هذه الوعود، يبرز سؤال جوهري بخصوص ملف أثار نقاشا واسعا وتمخضت عنه احتجاجات ووقفات أمام البرلمان، والمرتبط بأداء رسوم لاستكمال المسار الجامعي، فلماذا يغيب النقاش السياسي الصريح حول التعليم العالي، وحول حق الموظفين والأجراء في متابعة دراساتهم الجامعية دون أن تتحول الجامعة العمومية إلى عبء مالي إضافي على كاهلهم؟

ففي الوقت الذي يرفع فيه البام شعارات العدالة الاجتماعية وتحسين أوضاع المواطنين، تجد فئات من الموظفين والأجراء تطرح إشكالية الرسوم المفروضة على متابعة الدراسة بالتوقيت الميسر، خصوصا في سلكي الماستر والدكتوراه، في ظل تفعيل جامعات مغربية لهذه الرسوم، وما أثارته من جدل قانوني واجتماعي. قضية لم تعد مجرد نقاش تقني داخل المؤسسات الجامعية، وإنما تحولت إلى سؤال سياسي حول مجانية التعليم وتكافؤ الفرص وحدود استقلالية الجامعة في فرض الأعباء المالية على الطلبة الموظفين.
لقد أثار القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي نقاشا واسعا بشأن التكوين المؤدى عنه، بالتزامن مع شروع جامعات في اعتماد رسوم مالية على الموظفين والأجراء الراغبين في متابعة دراساتهم العليا، الامر الذي جعل الموظف والأجير يتساءل عن السند القانوني لهذه الرسوم ومدى انسجامها مع مبدأ مجانية التعليم. فكيف يمكن لحزب يرى نفسه بديلا ومدافعا شرسا عن القدرة الشرائية ويتحدث عن تحسينها، أن يتجاوز قضية موظف أو أجير يجد نفسه مطالبا بأداء آلاف الدراهم سنويا حتى يتمكن من تطوير مؤهلاته العلمية ومواصلة مساره الأكاديمي؟ أليست هذه الرسوم، بالنسبة إلى فئات محدودة الدخل، عبئا إضافيا قد تكون سببا في عدم استكمال المسار وتوقف الطموح الجامعي؟ والسؤال الثاني هل سيتنكر حزب الأصالة والمعاصرة لهذا الأمر ويحاول تعليقه على أحزاب أخرى داخل الحكومة، علما أن صاحب المشروع هو وزير بامي، وأنه حظي بموافقة النواب الباميين كما فعلوا مع قوانين أخرى؟

إن الحديث عن القدرة الشرائية لا ينبغي أن يقتصر على الأسعار والضرائب والمعاشات، بل يجب أن يمتد إلى كلفة التعليم والتكوين المستمر، فالعدالة الاجتماعية لا تعني فقط تحسين دخل المواطن، وإنما أيضا إزالة الحواجز التي تحول دون ارتقائه العلمي والمهني. والموظف الذي يسعى إلى الحصول على شهادة الماستر أو الدكتوراه لا يطلب امتيازا استثنائيا، بل يبحث عن فرصة لتطوير معارفه وكفاءاته، بما قد يعود بالنفع عليه وعلى الإدارة والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، فإن غياب موقف انتخابي واضح بشأن هذه القضية يطرح علامات استفهام حول أولويات البرنامج، ومدى استيعابه لانشغالات فئات اجتماعية لا تقل أهمية عن الفئات التي تستهدفها الوعود المرتبطة بالدعم والتقاعد والضرائب، والأكيد أن تصور البام الذي تم تقديمه لم يدرج مسألة مراجعة هذه الرسوم، ولم يلتزم بالدفاع عن ضمانات قانونية واجتماعية تمنع تحول التكوين الجامعي إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية، أم أن الموظفين والأجراء سيظلون خارج دائرة الاهتمام الانتخابي بالنسبة للحزب، رغم أن مستقبلهم العلمي والمهني جزء من مستقبل المجتمع؟

إن الاختبار الحقيقي اليوم لأي برنامج انتخابي، لا يكمن في كثرة الوعود أو جاذبية الشعارات، بل في قدرته على تقديم أجوبة واضحة عن الملفات التي تمس الحقوق والفرص والمستقبل، وكان المنتظر من حزب الأصالة والمعاصرة أن يوضح موقفه من هذه الإشكالية، وأن يقدم التزامات محددة بشأن مجانية التعليم العالي، والرسوم المفروضة على التكوين بالتوقيت الميسر، وضمان حق الموظفين والأجراء في متابعة دراساتهم العليا وفق شروط منصفة. فإذا كانت الأحزاب تتنافس اليوم على استقطاب الناخبين بوعود تحسين أوضاعهم المعيشية، فإن من حق هؤلاء أيضا أن يسألوا عن مصير حقهم في التعليم والتكوين المستمر، لأن الجامعة ليست مجرد مؤسسة لمن يقدر على الأداء ولمن يستطيع إليها سبيلا، ولا ينبغي أن يصبح الطموح الأكاديمي رهينا بالقدرة على تحمل رسوم قد تعجز عنها فئات واسعة من الموظفين والأجراء.
ويبقى السؤال السياسي الموجه، إذا كان برنامجكم يعد المغاربة بتحسين القدرة الشرائية وتكريس العدالة الاجتماعية، فأين التزامكم الواضح برفع الحواجز المالية والقانونية التي قد تحرم الموظفين والأجراء من متابعة الماستر والدكتوراه؟ وهل إصلاح المسار الاجتماعي ممكن دون إنصاف المسار الجامعي؟

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button