بين حسابات الربح والخسارة الانتخابية واختبار المسؤولية السياسية.. هل قالت صناديق الاقتراع كلمتها الأخيرة؟

بقلم/ ربيع كنفودي
لم يكن يوم 23 شتنبر 2026 مجرد موعد انتخابي عابر في المسار السياسي المغربي، بل شكل محطة أساسية، أولا لاختبار حصيلة الولاية الحكومية المنتهية، وثانيا لقياس مدى قدرة الأحزاب السياسية على إقناع الناخبين ببرامجها ووعودها، في سياق اتسم، طبعا، بتصاعد الانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، واحتدام التنافس بين مكونات الأغلبية الحكومية نفسها.
إن القراءة النقدية لنتائج هذه الانتخابات لا ينبغي أن تختزل فقط في عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، أو في تحديد الحزب الذي تصدر المشهد الانتخابي، بل تقتضي مساءلة أعمق لطبيعة التصويت، وحدود تأثير الحملات الانتخابية، ومدى انعكاس الحصيلة الحكومية على اختيارات الناخبين، فضلا عن التمييز بين الفوز العددي والنجاح السياسي القائم على تجديد الثقة الشعبية. فالانتخابات ليست مجرد عملية حسابية لتوزيع المقاعد، وإنما لحظة سياسية يفترض أن تعيد ترتيب العلاقة بين المواطن والفاعل الحزبي، وأن تضع الوعود الانتخابية السابقة أمام محك المحاسبة، وتفتح الباب أمام مساءلة جديدة عنوانها الأبرز، ماذا تحقق؟ وماذا تعثر؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
لقد أفرزت النتائج المؤقتة المعلنة يوم 24 شتنبر 2026 تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية بحصوله على 97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، فيما حل حزب العدالة والتنمية رابعا بـ54 مقعدا، وحصل حزب الحركة الشعبية على 29 مقعدا. هذه الأرقام، لا تعني بالأساس إعادة ترتيب المواقع داخل الخريطة الحزبية، بل تطرح أسئلة سياسية تتجاوز منطق الاحتفال بالنتائج. فتصدر حزب الأصالة والمعاصرة، الذي كان جزء من الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها، يضعه أمام مسؤولية تقديم تفسير سياسي لنتيجته، وتوضيح طبيعة المشروع الحكومي الذي يقترحه للمرحلة المقبلة، فهل تعكس المرتبة الأولى المتحصل عليها تجديدا للثقة في الحزب ومشروعه السياسي، أم أنها تعبير عن تحولات في سلوك التصويت المحلي والجهوي، وعن توازنات انتخابية لا يمكن اختزالها فقط في تقييم الحصيلة الحكومية؟
فقد تمنح المرتبة الأولى الحزب موقعا متقدما في مشاورات تشكيل الحكومة، لكنه لا يمنحه تفويضا مطلقا، ولا يعفيه من تقديم أجوبة واضحة عن الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي ظلت في صلب النقاش العمومي.
أما عن تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة الثانية، بحصوله على 66 مقعدا، فيعتبر أحد أبرز المؤشرات السياسية في هذه الاستحقاقات التشريعية التي تستحق التوقف عندها. فالحزب الذي قاد الحكومة السابقة يجد نفسه اليوم أمام ضرورة مراجعة خطابه السياسي، والوقوف عند دلالات النتيجة التي حققها بعد خمس سنوات من التدبير الحكومي، خصوصا وأن المرحلة السابقة اتسمت بوعود اجتماعية واقتصادية كبيرة، وبخطاب حكومي ركز على دعم القدرة الشرائية، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتعزيز الاستثمار والتشغيل، في المقابل فشل الحزب في إقناع الناخبين بأن حصيلته الحكومية تستجيب لتلك الوعود؟
وفي السياق ذاته، تطرح عودة حزب العدالة والتنمية إلى واجهة المشهد البرلماني، بحصوله على 54 مقعدا، سؤالا حول طبيعة التحولات التي عرفها سلوك التصويت، ومدى قدرة الحزب على استعادة حضوره بعد تراجعه الكبير في انتخابات 2021، فهذه العودة قد تشكل تحولا مهما في المشهد الحزبي وتكشف أن حزب العدالة والتنمية قادر على قلب الموازين والكفة لصالحه، لكنها لا تكفي وحدها للحديث عن استعادة شاملة للثقة الشعبية، فالرهان الحقيقي أمام الحزب لا يكمن في استثمار تراجع منافسيه فحسب، بل في قدرته على تقديم بديل سياسي واضح، وتجاوز اختلالات الماضي، وإثبات أن عودته البرلمانية يمكن أن تتحول إلى ممارسة رقابية وتشريعية ذات أثر ملموس في حياة المواطنين.
وتبقى من أهم القراءات النقدية لاستحقاقات 23 شتنبر 2026، هي نسبة المشاركة التي بلغت 38.02 في المائة وفق المعطيات المعلنة، حيث تظل من المؤشرات الأساسية التي لا يجوز أن تمر دون مساءلة، فرغم اختلاف دوافع المشاركة والعزوف، فإن هذه النسبة تفتح النقاش حول مدى نجاح الأحزاب السياسية في تعبئة المواطنين وإقناعهم بجدوى المشاركة في العملية الانتخابية، وتبقى ضعيفة إذا ما قارناها بنسبة المشاركة في انتخابات سنة 2021 التي بلغت ازيد من 50% ونسبة المشاركة في انتخابات 2016 التي وصلت آنذاك الى 42%، هي نسبة ضعيفة لم نعشها في اي محطة انتخابية ما عدا انتخابات 2007 التي وصلت نسبة المشاركة فيها إلى 37%.
إن اختزال الديمقراطية في توزيع المقاعد، مع إغفال حجم المشاركة واتساع قاعدة الانخراط السياسي، من شأنه أن يحجب جانبا مهما من واقع العلاقة بين المجتمع والأحزاب، فالمطلوب اليوم ليس فقط أن تتنافس الأحزاب على أصوات الناخبين، بل أن تستعيد ثقة المواطنين في جدوى العمل السياسي، وأن تجعل من البرامج الانتخابية تعاقدات واضحة، لا مجرد وعود موسمية تنتهي بانتهاء الحملة.
إن انتخابات 23 شتنبر 2026، أغلقت مرحلة من التنافس الحزبي، لكنها فتحت مرحلة أكثر حساسية، عنوانها المحاسبة السياسية واستعادة الثقة، وهي مناسبة ينبغي أن تدفع مختلف الأحزاب إلى مراجعة خطابها وممارساتها، والتوقف عن التعامل مع المواطن باعتباره مجرد صوت انتخابي يستدعى عند الحاجة، ثم يغيب عن حسابات التدبير وصناعة القرار.
لقد انتهى زمن الوعود الانتخابية، وبدأ زمن اختبار الالتزامات، ولم يعد كافيا أن يحتفل حزب بتصدر النتائج، أو أن يبرر آخر تراجعه، أو أن يعتبر الثالث عودته البرلمانية انتصارا نهائيا. فالمعيار الحقيقي لنجاح هذه الاستحقاقات لن يكون في عدد المقاعد وحده، وإنما في مدى قدرة المؤسسات المنتخبة على الاستجابة للانتظارات المجتمعية، وفي استعداد الفاعلين السياسيين لتحمل مسؤولياتهم كاملة.
فالصناديق حسمت ترتيب المقاعد، لكنها لم تحسم سؤال الثقة، والانتخابات انتهت، لكن امتحان السياسة والمحاسبة بدأ للتو.



