أخبارالرئيسيةفي الصميم

الكلمة مسؤولية.. والوعي يسبق الاختيار والقرار

كيف نصنع إعلاما رقميا مسؤولا يسهم في بناء وعي جمعي أكثر رشدا؟… العملية الانتخابية نموذجا

بقلم: د. دنيا تامري
مقدمة
ليست الكلمة في الفضاء الإعلامي حدثا عابرا. فقد تبدأ خبرا، ثم تتحول إلى انطباع، ومن الانطباع يتشكل موقف، وقد ينتهي الموقف إلى اختيار أو قرار. وبين هذه المراحل تعمل عناصر متعددة قد لا ينتبه إليها المتلقي دائما: طريقة الصياغة، وانتقاء العنوان والصورة، واختيار الأرقام والإحصائيات وتوظيفها، وترتيب المعلومات، وسرعة تداولها، ثم الخوارزميات التي تسهم في تحديد ما يتقدم على الشاشة وما يتراجع عنها.

لهذا لا تقاس مسؤولية الإعلام بصدق الخبر أو كذبه وحدهما، بل أيضا بأمانة تقديمه: هل حفظ سياقه؟ هل فصل بين المعلومة والرأي؟ هل قدم الأرقام والمعطيات بما يسمح بفهمها في سياقها؟ هل قاوم إغراء الإثارة حين تكون على حساب الدقة؟ وهل ظل حق الجمهور في المعرفة مقدما على المصالح التجارية أو الفكرية أو السياسية أو الشخصية؟

وفي المقابل، لم يعد المتلقي قارئا أو مشاهدا سلبيا؛ فهو يختار، ويعلق، ويعيد النشر، وقد يسهم بدوره في توسيع أثر المعلومة أو الحد منه. ومن هنا تتقاطع مسؤولية من يصوغ الرسالة مع وعي من يتلقاها، لأن جودة الاختيار لا تنفصل تماما عن جودة البيئة المعرفية التي سبقته.

وهنا تبرز الإشكالية التي يعالجها هذا المقال: كيف يمكن أن يلتقي إعلام مسؤول بمتلق واع، بما يسهم في بناء وعي جمعي أكثر رشدا، ويحفظ للإنسان حقه في أن يفهم قبل أن يحكم، وأن يعرف قبل أن يختار؟

أولا: من مسؤولية الكلمة إلى الممارسة المهنية… كيف نبني إعلاما مسؤولا؟

لا تصل المعلومة إلى الجمهور منفصلة عن طريقة تقديمها. فالخبر ليس وقائع مجردة فحسب، بل عنوان وصورة وسياق وأرقام وترتيب، وفي كل مرحلة من هذه المراحل توجد اختيارات مهنية تؤثر في الطريقة التي يفهم بها المتلقي ما حدث.

قد يدلي شخص، مثلا، بتصريح يمتد عشر دقائق، ثم ينتشر منه مقطع لا يتجاوز عشر ثوان. وقد تكون الكلمات الواردة فيه صحيحة حرفيا، لكن حذف ما سبقها وما تلاها قد يمنحها معنى مختلفا. هنا لا يكون الخلل في اختلاق كلام لم يقل، بل في صناعة معنى ناقص من مادة صحيحة.

والأمر نفسه يمكن أن يحدث مع الصورة والرقم والإحصائية. فقد تكون الصورة حقيقية، لكن وضعها في سياق غير سياقها يغير دلالتها. وقد يكون الرقم صحيحا، لكن انتقاءه من بين أرقام أخرى، أو تقديمه من دون سياقه الزمني أو المقارن، قد يصنع انطباعا لا تعكسه الصورة الكاملة. ولذلك فالإحصائية لا تكفي صحتها في ذاتها؛ بل تظل طريقة اختيارها وتقديمها وتفسيرها جزءا من أمانة المعلومة.

ومن هنا تصبح المسؤولية المهنية أوسع من مجرد سؤال: هل المعلومة صحيحة؟ لتشمل أيضا: كيف قدمت؟ وما الذي أبرز منها؟ وما الذي غاب عن سياقها؟ وهل يستطيع المتلقي أن يميز بين الخبر والرأي والإعلان والخطاب الإقناعي؟

وقد جعلت البيئة الرقمية هذه المسؤولية أكثر تعقيدا؛ فالمحتوى المنشور لا يتحرك وفق القرار التحريري وحده، بل تدخل في انتشاره أنظمة الترتيب والتوصية والتخصيص. ويبين تقرير الأخبار الرقمية لعام 2026 أن وسائل التواصل والشبكات المرئية أصبحت، في المتوسط عبر 48 سوقا شملها التقرير، وسيلة للوصول إلى الأخبار لدى 54% من المشاركين، مقابل 51% للمواقع والتطبيقات التابعة للمؤسسات الإخبارية.

وهذا يعني أن الكلمة الإعلامية لم تعد تنافس كلمات أخرى فقط؛ بل أصبحت تنافس أيضا على انتباه الإنسان. وفي بيئة رقمية يرتبط جزء من منطقها بالنقر والمشاهدة والتفاعل، قد يصبح العنوان الأكثر إثارة أسرع انتشارا من العنوان الأكثر دقة، والمقطع الأكثر انفعالا أقدر على جذب الانتباه من الشرح الأكثر توازنا. غير أن ما ينجح في جذب العين ليس بالضرورة ما يصلح لبناء الفهم.

وهنا تظهر قيمة المسؤولية المهنية والأخلاقية. فللإعلامي رأيه، وللمؤسسة توجهاتها وحساباتها، لكن ذلك لا ينبغي أن يجعل الخبر جسرا خفيا لتمرير موقف مسبق، أو أن تصبح المعلومة أداة تابعة للمصالح التجارية أو الفكرية أو السياسية أو الشخصية. للرأي مكانه، كما للتحليل والتعليق مكانهما، لكن من حق المتلقي أن يعرف متى يكون أمام خبر، ومتى يكون أمام تفسير أو رأي أو مادة إقناعية.

وفي التصور الإسلامي، تكتسب الكلمة بعدا يتجاوز أثرها اللحظي؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا، يرفع الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا، يهوي بها في جهنم».

ولعل البيئة الرقمية تجعل دلالة هذا المعنى أكثر قربا؛ فالكلمة التي تكتب في لحظة قد تبقى سنوات، وتقتطع من سياقها، ويعاد نشرها مرات كثيرة، ويصل أثرها إلى أشخاص لم يكن صاحبها يتصور أنها ستصل إليهم.

لذلك لا يعني الإعلام المسؤول إعلاما بلا نقد أو رأي أو جرأة، بل إعلاما يدرك أن الحرية المهنية تزداد قيمة حين تسندها أمانة المعلومة واحترام عقل الجمهور.

ثانيا: متلق واع… لماذا لا ينبغي أن نصدق كل ما يعرض أمامنا؟

إذا كانت مسؤولية الإعلام تبدأ من طريقة صناعة المعلومة وتقديمها، فإن المتلقي ليس طرفا سلبيا في هذه العملية. فمستخدم المنصات يترك، عبر ما يفتحه ويتابعه ويتوقف عنده ويعلق عليه ويشاركه، إشارات تساعد أنظمة التوصية على توقع ما قد يجذب انتباهه لاحقا. وبذلك يسهم، بدرجات متفاوتة، في تشكيل جزء من البيئة الرقمية التي يعود إليها كل يوم.

ولا يعني ذلك أن المستخدم مسؤول وحده عما تعرضه المنصة؛ فتصميم الخوارزميات وأهدافها وطريقة ترتيب المحتوى عوامل مؤثرة أيضا. لكن من المهم أن يدرك أن سلوكه الرقمي يشارك في تحديد ما يتكرر أمامه، وأن كثرة ظهور موضوع أو رأي لا تعني بالضرورة أنه الأكثر أهمية أو الأكثر صدقا.

ويضيف علم النفس بعدا آخر إلى المسألة. فقد بينت أبحاث علم النفس المعرفي أن تكرار المعلومة قد يزيد الإحساس بصدقها لمجرد أنها أصبحت مألوفة، وهو ما يعرف بـأثر الحقيقة الوهمية. وأكدت مراجعة علمية واسعة نشرت سنة 2026، وجمعت نتائج 182 دراسة شملت 31,184 مشاركا، وجود هذا الأثر، مع اختلاف حجمه بحسب طبيعة المحتوى والسياق.

وتظهر هذه الظاهرة ببساطة في الحياة اليومية؛ فقد تبدأ معلومة من مصدر واحد، ثم تنتقل إلى صفحات ومقاطع ومجموعات للمراسلة، فيبدو للمتلقي أنه أمام مصادر متعددة تؤكد الأمر نفسه، بينما يكون الأصل واحدا أعيد تداوله في قوالب مختلفة. وهنا قد تتحول الألفة تدريجيا إلى ما يشبه الدليل، مع أن التكرار في ذاته لا يثبت شيئا.

لذلك لا تقوم مسؤولية المتلقي على رفض كل ما يعرض أمامه، ولا على الشك الدائم، بل على حسن إدارة الثقة: أن يميز بين كثرة التداول وصحة المعلومة، وبين شعبية المحتوى وقيمته، وبين قوة الانطباع وقوة الدليل.

وتزداد مسؤوليته حين ينتقل من المشاهدة إلى المشاركة؛ فإعادة نشر خبر أو صورة أو مقطع تمنحه حياة جديدة ومساحة أوسع للتأثير. وفي هذه اللحظة لا يبقى المتلقي مجرد مستقبل للمعلومة، بل يصبح جزءا من سلسلة تداولها.

وتشير دراسة تجريبية منشورة في Scientific Reports سنة 2024 إلى أن تقديم مؤشرات تتعلق بمصداقية المصادر أسهم في تحسين قدرة المشاركين على التمييز بين الادعاءات الصحيحة والخاطئة، كما حد من بعض صور التفاعل مع المحتوى المضلل.

فالوعي الإعلامي لا يعني الانسحاب من العالم الرقمي، بل امتلاك قدر من المسافة بين ما يعرض أمام الإنسان وما يسمح له بأن يتحول إلى قناعة أو مشاركة أو قرار. وفي هذه المسافة يحتفظ المتلقي بحقه في التفكير، ويدرك أن ما يراه ليس دائما كل ما يوجد، وأن ما يتكرر أمامه ليس بالضرورة دليلا على صحته.

ثالثا: من الوعي الفردي إلى الوعي الجمعي… كيف يسهم الإعلام في تشكيل قراراتنا؟

إذا كان المتلقي يتعامل مع المعلومة بصفته فردا، فإن أثر المعلومات المتداولة لا يبقى فرديا دائما. فما يتكرر ويتسع حضوره داخل المجال العام يسهم، مع الوقت ومع عوامل أخرى، في تشكيل تصورات مشتركة حول القضايا والأولويات ومصادر الثقة؛ وهنا تنتقل المسألة من الإدراك الفردي إلى مساحة أوسع هي الرأي العام والوعي الجمعي.

ولا يعني ذلك أن الإعلام يصنع آراء المجتمع بمفرده؛ فالأسرة والتعليم والثقافة والخبرة والظروف الاجتماعية والاقتصادية كلها تشارك في تكوين المواقف. غير أن الإعلام يظل من أهم المنافذ التي يتعرف من خلالها الجمهور إلى أحداث وأشخاص وقضايا لا يعيشها بنفسه. ولذلك فإن طريقة صياغة المعلومة وتقديمها لا تنفصل تماما عن الطريقة التي يفهم بها الجمهور الواقع ويبني مواقفه.
ومن ثم، لا ترتبط جودة القرار بحرية اتخاذه وحدها، بل أيضا بجودة البيئة المعلوماتية التي سبقته. فالقرار لا يتشكل لحظة اتخاذه؛ وإنما تتراكم مقدماته من معرفة وصور وانطباعات وتقييمات، قبل أن تنتهي إلى موقف واختيار.
وتتجلى هذه العلاقة بوضوح في العملية الانتخابية، ولا سيما خلال الحملات الانتخابية، حين تتكثف الرسائل الإعلامية والسياسية ويزداد تداول المعلومات والآراء والادعاءات. فالناخب لا يصل إلى لحظة القرار خالي الذهن؛ بل تكون قد تشكلت لديه، عبر مصادر وتجارب متعددة، تصورات عن القضايا والبرامج والفاعلين والبدائل.
وتصف International IDEA البيئة المعلوماتية المحيطة بالانتخابات بأنها منظومة دينامية تضم فاعلين بشريين وغير بشريين وأنظمة تنتج المحتوى أو تتعرض له أو تستخدمه أو توفر منصات لنشره ومعالجته واتخاذ القرارات بالاستناد إليه. كما توثق المؤسسة وجود ممارسات تضليلية وضارة يمكن أن تستهدف العمليات والفاعلين الانتخابيين، مع اختلاف آثارها بحسب السياقات والفئات.
وفي هذا الموضع تحديدا تلتقي مسؤولية الكلمة بمسؤولية الاختيار. فكلما كانت المعلومة أدق، والسياق أوضح، والفصل بين الخبر والرأي والدعاية أكثر صراحة، امتلك المواطن أرضية أفضل للفهم والمقارنة. أما حين تختلط المعلومة بالتضليل أو الانتقاء المتعمد، أو يجري توظيفها لخدمة مصالح تجارية أو فكرية أو سياسية أو شخصية، فقد يمتد الأثر من الخبر نفسه إلى البيئة التي يتكون داخلها الموقف.
ولا يعني ذلك أن وظيفة الإعلام أن يختار للمواطن أو أن يدفعه إلى موقف بعينه؛ بل أن يحترم استقلال قراره، فيعرض الوقائع، ويفحص الادعاءات، ويوضح البرامج، ويميز قدر الإمكان بين الخبر والرأي والدعاية، حتى يظل القرار في النهاية لصاحبه.
وفي المقابل، يبقى المتلقي مسؤولا عن اختياره؛ فالوعي لا يظهر في مجرد الوصول إلى القرار، بل قبل ذلك في الطريقة التي يبنى بها الاختيار، من خلال فرز المعلومات ومقارنتها والتمييز بين الموثوق والمضلل، والصحيح والزائف، وألا يتحول قرار طويل الأثر إلى استجابة انفعالية عابرة، أو يخضع لمنطق المقايضة بمصلحة مادية أو معنوية آنية.
والمقصود هنا لا يقتصر على لحظة انتخابية بعينها؛ فاحترام القرار يبدأ من احترام وعي صاحبه، ومن رفض كل ما يحاول اختزال اختيارات طويلة الأثر في إغراء عابر أو ضغط لحظي أو مصلحة قريبة. فالقرار الذي يمتد أثره إلى الشأن العام لا ينبغي أن يفقد قيمته أمام ما ينتهي أثره بانتهاء اللحظة.
وهنا تتضح العلاقة في أبسط صورها: إعلام يصون حق الجمهور في معرفة نزيهة، ومتلق يصون حقه في التفكير والاختيار. فالمقصود ليس أن يصل الجميع إلى الرأي نفسه أو القرار نفسه، وإنما أن تكون الطريق التي تسبق القرار أوضح معرفة، وأكثر قدرة على التمييز، وأقل قابلية للتضليل.
وهذا المعنى ينسجم مع المقاربة التي تدعو إليها اليونسكو في حوكمة المنصات الرقمية، حيث تربط حماية حرية التعبير والحق في المعلومات بمسؤولية مشتركة بين المنصات والإعلام والدول والمجتمع المدني والفاعلين التقنيين وغيرهم، في مواجهة التضليل مع الحفاظ على الحقوق الأساسية.

خاتمة

وختاما، يمكن القول إن الكلمة مسؤولية، لأنها قد تدخل في بناء وعي إنسان آخر، وإن الوعي يسبق الاختيار والقرار، لأنه يحدد الطريقة التي يصل بها الإنسان إليهما، والأساس الذي يبني عليه موقفه.
ومن هنا، لا تكمن قيمة الإعلام المسؤول في أن يصنع للناس قراراتهم، بل في أن يصون حقهم في معرفة نزيهة تساعدهم على الفهم والمقارنة والتمييز؛ كما لا تكتمل مسؤولية المتلقي بمجرد امتلاكه حرية الاختيار، بل في الطريقة التي يمارس بها هذه الحرية، بعيدا عن التضليل والانفعال والمصلحة الآنية.
فالمجتمعات لا ترسم مستقبلها في لحظة القرار وحدها؛ بل يبدأ ذلك قبلها، من كلمة تقال بمسؤولية، ومعلومة تقدم بأمانة، ووعي يعرف كيف يشق طريقه إلى الاختيار.

مراجع مختارة

_ Reuters Institute for the Study of Journalism. (2026). Digital News Report 2026. University of Oxford.

_ Ye, S., et al. (2026). Systematic review and meta-analysis of the evidence for an illusory truth effect and its determinants. Nature Communications.

_ Prike, T., Butler, L. H., & Ecker, U. K. H. (2024). Source-credibility information and social norms improve truth discernment and reduce engagement with misinformation online. Scientific Reports, 14, 6900.

_ UNESCO. (2023). Guidelines for the Governance of Digital Platforms.

_ International IDEA. The Information Environment Around Elections.

_ صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، حديث رقم 6478.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button