أشتاق لموطني

ألمانيا-منير لكماني
على زجاج قطار الصباح أرسم باب الدار،
فتهتز عتبته كلما تسارع السفر.
تصل المحطات إلى ركابها واحدة واحدة،
أما القنيطرة فتشد القطار من جهة قلبي؛
كلما مضى، أحسست أن الطريق
يمد بيني وبينها ذراعا أخرى من الغياب.
في وزان تركت ظلي عند زيتونة.
كبرت في بلاد بعيدة،
وظل هناك طفلا يستريح إلى جذعها.
إذا اشتد البرد على يدي،
أوقدت من زيت ثمرها مصباحا في عروقي،
فأرى الطريق القديم وعليه خطاي الأولى.
أشتاق إلى خبز يخرج من الفرن
فيطرق برائحته أبواب الجيران،
إلى مساء يترك عتبته مضاءة للمتأخرين،
إلى سبو يحمل الشمس عند المغيب
ويضع ذهبها على وجوه العائدين،
كأن النهار يرد إليهم بعض ما أخذ.
أشتاق إلى سلام يقال بالوجه كله،
وإلى الأذان يرد قلبي
من الجهات التي بعثرته فيها الغربة.
يا مغرب،
حفظت أسماء الشوارع هنا،
حتى صارت تجري على لساني بلا عناء.
لكنني كلما قلت: بلادي،
ضاقت الكلمة عن زيتونك وبحرك،
وعن وجوه أعرفها وإن غابت،
فارتجف صوتي بما لم تتعلمه هذه اللغة.
وفي ثراك ترقد أمي.
منذ غابت صار للعودة بابان:
باب البيت، إذا فتحته خرجت طفولتي،
وباب من تراب، إذا بلغت عتبته
لم يبق في يدي من مفاتيح الدنيا
غير الدعاء.
إن سألوني: ماذا تركت خلف البحر؟
قلت: وجهي قبل أن تسميه المنافي غريبا،
وظلا ينام تحت زيتونة وزان،
وقلبا كلما دار مفتاح في باب هنا
سمع في الحديد خرير سبو،
ورأى البحر ينحسر
عن عتبة الدار.



