بطن واحد وأب واحد..فلماذا تاه احد الابناء

حين تنجح الأسرة في تربية أبنائها جميعا، ثم يعجز أحدهم عن العثور على طريقه؛ أين يبدأ الخلل، وأين تنتهي مسؤولية الأسرة؟
زاوية الأسرة | الحدث الإفريقي
بقلم: ليلى حبش حاريث
يقولون: «البطن ولادة… وتلد الصالح والطالح».
لكن هل تكفي هذه العبارة لتفسير كل شيء؟
كيف يمكن لأبناء أن يولدوا من البطن نفسها، ويعيشوا في البيت نفسه، وتحت سقف واحد، وبين الوالدين نفسيهما، ويتقاسموا المدرسة والحي والذكريات؛ ثم يكبر أحدهم مستقرا، مسؤولا، يعرف حقه وواجبه، بينما يتيه آخر في الطريق إلى درجة يصبح معها الشارع بيته، والتسكع يومه، والمخدر ملجأه؟
السؤال ليس سهلا .و الأصعب منه أن تكون الأسرة قد حاولت. حاول الأب والأم. حاول الإخوة. نصحوا، وعاتبوا، ومدوا الأيدي، وفتحوا الأبواب، وأحيانا وفروا مشروعا أو فرصة جديدة للحياة.
لكن كل محاولة كانت تنتهي إلى نقطة الصفر. مشروع يبدأ؛ ثم يفشل. معدات تُشترى، ثم تباع.
فرصة تمنح، ثم تضيع. بيت يفتح أبوابه، ثم يغادره صاحبه إلى الشارع.
حتى يصل الإنسان إلى سن الخامسة والأربعين، بلا زواج مستقر، ولا مهنة ثابتة، ولا مشروع مستمر، ولا حياة أسرية، وقد رحل الوالدان وبقي الإخوة يحملون السؤال نفسه: ماذا نفعل بأخينا؟
ليس كل من تاه اختار الضياع ببساطة.هنا ينبغي أن نتوقف. فالقول إن هذا الإنسان «اختار» حياته قد يكون صحيحا جزئيا في بعض الحالات، لكنه لا يشرح كل شيء.
هناك إنسان يرفض اليد الممدودة لأنه فقد الثقة. وهناك من أصبح عاجزا عن تخيل حياة مختلفة. وهناك من تحولت لديه المخدرات والكحول من تجربة عابرة إلى نمط حياة يهيمن على قراراته. وهناك من يحمل جرحاً قديماً لم يعرف كيف يعالجه. وهناك من اعتاد الفشل حتى أصبح النجاح نفسه يخيفه.
وهناك من يريد فقط أن يسمع من يقول له:
«أنت ما زلت موجودا… وما زال لك مكان بيننا.» وهناك آخر لا يريد شيئا تقريبا سوى أن ينام، ثم يستيقظ ليكمل الدوران في الشوارع. فهل نتعامل مع الجميع بالمنطق نفسه؟. وأين الأسرة من كل هذا؟ هنا السؤال الأكثر إيلاما.
ما قيمة الأسرة إذا كانت لا تستطيع النهوض بأحد أبنائها؟ لكن السؤال المقابل أكثر عدلا : هل تستطيع الأسرة وحدها أن تنقذ إنسانا يرفض كل محاولة للإنقاذ؟.
ربما لا.فالأسرة تستطيع أن تحب. أن تنصح. أن تفتح الباب.أن توفر فرصة. أن تحمي من الانهيار.
لكنها لا تستطيع أن تعيش حياة شخص بالغ بدلا منه.
وهنا يجب أن نكون منصفين أيضا تجاه الإخوة.
فليس من العدل أن يتحول حب الأخ إلى استنزاف دائم، ولا أن يصبح كل مشروع فاشل سبباً لمشروع جديد، ولا أن يتحول التعاطف إلى تمويل للسلوك الذي يدمر صاحبه.
المساعدة شيء؛والتواطؤ مع الانهيار شيء آخر.
لكن ماذا لو كان يريد العودة؟
هذه هي اللحظة التي تختبر فيها الأسرة نفسها.
قد يمر الإنسان الذي تاه في الطريق أمام بيت أسرته، فيرى إخوته من بعيد، ثم يواصل السير.
ليس لأنه لا يحبهم.
ربما لأنه يشعر بالخجل.
ربما لأنه يعتقد أنهم يحتقرونه.
ربما لأنه لم يعد يرى نفسه جديرا بأن يجلس بينهم.
وربما لأنه يخشى السؤال:
«ماذا فعلت بحياتك؟»
فيختار الشارع لأنه لا يسأله أحد.
وهنا تصبح كلمة واحدة أحياناً أهم من محاضرة كاملة:
«ارجع.» لكن العودة لا تعني أن نترك الباب مفتوحا أمام الفوضى، تعني أن نقول:
«سنساعدك على العودة… ولكن علينا أن نضع معا طريقا جديدا للحياة.»
هناك أخ آخر في القصة
ربما يكون هذا أكثر أجزاء الحكاية قسوة.
أخ آخر عاش في البيت نفسه.
درس.
اشتغل.
تزوج.
تحمل المسؤولية.
أعطى لكل حق حقه ولكل واجب واجبه.
كبر وبنى حياته.
ثم يجد نفسه مطالبا باستمرار بأن ينقذ أخاه من النتائج التي ترتبت على اختياراته.
هنا تظهر معادلة صعبة:
كيف أحب أخي دون أن أهدم حياتي؟
كيف أساعده دون أن أساعد إدمانه؟
كيف أحمي كرامته دون أن أسمح له باستغلال كرامتي؟
كيف أفتح له باب البيت دون أن أجعل البيت كله رهينة لسلوكه؟
هذه ليست أسئلة قاسية، إنها أسئلة واقعية.
ومن قال إن التربية تنتهي في الثامنة عشرة؟
ربما أحد الدروس التي تحملها هذه القصة أن الأسرة كثيراً ما تتعامل مع التربية باعتبارها مرحلة تنتهي مع بلوغ الابن سن الرشد.
لكن بعض الأبناء يحتاجون، بعد بلوغهم، إلى مرافقة مختلفة.
ليست مرافقة الطفل.
بل مرافقة الإنسان الذي يواجه فشلاً، أو إدماناً، أو عزلة، أو اضطراباً في حياته، أو عجزاً عن الاندماج.
وهنا لا تكفي النصيحة العائلية دائماً.
قد يحتاج الأمر إلى مختص نفسي، أو طبيب، أو برنامج لعلاج الإدمان، أو تأهيل مهني، أو دعم اجتماعي، بحسب الحالة.
الحب العائلي ضروري… لكنه ليس بديلاً عن العلاج المتخصص عندما تكون هناك حاجة إليه.
هل الأسرة مسؤولة عن كل ما يحدث لأبنائها؟
لا.
وهذه نقطة يجب أن نقولها بوضوح.
الأسرة تؤثر في الإنسان، لكنها لا تتحكم في كل اختياراته.
الأبوان قد يقدمان أفضل ما لديهما، ومع ذلك يختار أحد الأبناء طريقاً مختلفاً.
والإخوة قد يفعلون كل ما يستطيعون، ومع ذلك يفشلون في تغيير أخيهم.
لذلك فإن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية كل انحراف فردي قد يكون ظلماً.
وفي المقابل، فإن استخدام كلمة «اختيار» لتبرير التخلي عن إنسان غارق في الإدمان أو العزلة قد يكون أيضاً تبسيطاً مؤلماً.
الحقيقة غالباً تقع في المنطقة الرمادية.
مسؤولية شخصية… وتأثير أسري… وبيئة اجتماعية… وحاجة أحياناً إلى تدخل متخصص.
وأين حق هؤلاء؟
حقهم أولا في ألا يتحولوا إلى مادة للسخرية.
حقهم في الكرامة.
حقهم في فرصة حقيقية للعودة.
حقهم في أن يجدوا من يسمعهم.
حقهم في العلاج والتأهيل عندما يحتاجون إليه.
وحق أسرهم أيضا في الحماية من الاستنزاف والعنف والفوضى.
فالرحمة لا تعني أن تتحول الأسرة إلى ضحية، و الحدود لا تعني أن نغلق الباب في وجه الإنسان إلى الأبد.
يمكن أن نقول: نحبك… لكننا لن نمول تدميرك لنفسك.
يمكن أن نقول: بابنا مفتوح… لكن العودة لها شروطها ومسؤولياتها. و هذا ربما يكون أكثر أشكال الحب نضجا.
السؤال الذي يبقى بلا جواب سهل حول :
ماذا لو كان هذا الرجل أو هذه المرأة واحدا من أبنائك؟
ماذا لو كنت أنت الأخ أو الأخت الذين تعبوا من الإنقاذ؟
ماذا لو كنت أنت ذلك الإنسان الذي ضاع سنوات، ثم لم يعد يعرف كيف يرجع؟
هل ستختار الأسرة أن تحتضنه بلا حدود؟
أم ستتخلى عنه؟
أم أن هناك طريقا ثالثا…
احتواء بلا تبرير، ومساعدة بلا استغلال، وحدود بلا قسوة، وعلاج بلا وصمة؟ ربما هذا هو السؤال الحقيقي.
في النهاية… الأسرة ليست عصا سحرية، الأسرة تستطيع أن تكون أول يد تمتد. لكنها ليست مطالبة بأن تكون الطبيب، والمعالج، والمشغل، والمراقب، والمنقذ طوال العمر؛ والإنسان البالغ يظل مسؤولا عن خطواته. و مع ذلك، فإن سقوطه لا يلغي إنسانيته. ورفضه للمساعدة اليوم لا يعني بالضرورة أنه سيرفضها غدا.
قد يأتي يوم يقف فيه أمام باب البيت، لا يريد مالا ولا مشروعا ولا شيئا كبيرا.
قد يريد فقط أن يسمع: «ادخل… ما زلت أخانا».
لكن خلف هذه الكلمة يجب أن تكون هناك خطة و حدود، ومساعدة حقيقية. لأن إنقاذ الإنسان ليس أن تعطيه شيئا في يده كل مرة… بل أن تساعده، حين يستطيع، على استعادة يد التي ضاعت منه.
وهنا تترك «الحدث الإفريقي» السؤال مفتوحا :
بطن واحدة… أب واحد… بيت واحد… ونشأة واحدة.
فكيف يصنع الطريق إنسانا، ويأخذ الطريق، الآخر، إلى الضياع؟
وأين ينتهي واجب الأسرة… وأين تبدأ مسؤولية الإنسان عن نفسه؟
أسئلة لا تبحث عن إدانة أحد… بقدر ما تبحث عن فهم الإنسان قبل أن نحكم عليه.



