من نصري إلى المنصوري..مسار نسائي راكم الثقة في مواقع القرار

الحدث الإفريقي |تقرير تحليلي
في لحظة ستظل حاضرة في الذاكرة السياسية المغربية، عيّن جلالة الملك محمد السادس، يوم 29 شتنبر 2026، فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، رئيسةً للحكومة، و كلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وذلك بمقتضى الفصل 47 من الدستور. و يشكل هذا التعيين وصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب منذ الاستقلال.
لكن قراءة هذا الحدث باعتباره مجرد سابقة نسائية ستكون قراءة ناقصة؛ فالمشهد الحالي هو نتيجة مسار طويل من الحضور النسائي المغربي في مواقع المسؤولية، بدأ منذ عقود، و تدرج من الإدارة والحكومة و المؤسسات إلى دوائر القرار العليا. و هنا تبرز أسماء نساء مغربيات تركن بصماتهن في مواقع القرار، وفي مقدمتهن اسم يستحق أن يذكر بكل تقدير الراحلة زليخة نصري، رحمها الله.
زليخة نصري..المرأة التي فتحت الباب قبل أن يصبح الطريق مألوفا
حين نتحدث اليوم عن وصول امرأة مغربية إلى رئاسة الحكومة، يصعب تجاوز تجربة زليخة نصري، التي كانت أول امرأة مغربية تتولى منصب مستشارة للملك، وظلت لسنوات إحدى الشخصيات النسائية البارزة والمؤثرة في دوائر القرار.
تولت نصري، قبل التحاقها بالديوان الملكي، مسؤوليات في الإدارة ووزارة الشؤون الاجتماعية، ثم أصبحت مستشارة لجلالة الملك محمد السادس سنة 2000، وارتبط اسمها بشكل خاص بالملفات الاجتماعية و بمؤسسة محمد الخامس للتضامن. كما كانت حاضرة في عدد من المبادرات ذات الصلة بإعادة الإدماج الاجتماعي و محاربة الهشاشة.
وكانت زليخة نصري أيضا حاضرة في مناسبات ملكية رسمية، من بينها تلاوة الرسالة السامية التي وجهها جلالة الملك إلى المشاركين في المؤتمر العالمي لسيدات الأعمال بمراكش سنة 2013. رحلت نصري في دجنبر 2015، لكن تجربتها بقيت جزءا من تاريخ صعود المرأة المغربية إلى مواقع القرار. ومن الإنصاف أن نقول إن المنصوري لا تبدأ من الصفر؛ إنها تصل إلى القمة فوق مسار راكمته نساء مغربيات قبلها.
نساء مغربيات..ثقة ملكية ومسؤوليات وازنة
خلال العقود الأخيرة، برزت أسماء نسائية في مواقع حكومية ومؤسساتية رفيعة. نادية فتاح تولت حقيبة الاقتصاد والمالية، و هي من أكثر القطاعات حساسية. زينب العدوي وصلت إلى رئاسة المجلس الأعلى للحسابات، بما يمثله من موقع دستوري في مجال الرقابة العليا على المالية العمومية. رحمة بورقية تولت رئاسة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. و أمينة بوعياش ترأس المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
وإلى جانب هؤلاء، عرفت الحكومات المغربية المتعاقبة حضورا لافتا لنساء في قطاعات مختلفة، من الطاقة و الانتقال الرقمي والسياحة والتضامن والتعمير وغيرها. هذه التجارب لا يمكن اختزالها في كون أصحابها نساء؛ فكل واحدة منهن خضعت، في موقعها، لمقتضيات المسؤولية و النتائج والتدبير. لكنها في الوقت ذاته أسهمت في ترسيخ صورة المرأة المغربية داخل مواقع القرار.
من المحاماة إلى الحكومة..ومن الحكومة إلى رئاستها
تأتي فاطمة الزهراء المنصوري اليوم لتضيف حلقة جديدة إلى هذا المسار. فقد سبق لها أن تولت رئاسة مجلس مدينة مراكش، ثم حقيبة إعداد التراب الوطني و التعمير و الإسكان و سياسة المدينة، كما اضطلعت بدور قيادي داخل حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن تصل الآن إلى رئاسة الحكومة. و تعيينها جاء بعد تصدر حزبها الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر 2026. و بالتالي، فإن المسألة لا تتعلق فقط بكونها أول امرأة، وإنما أيضاً بكونها تدخل رئاسة الحكومة وهي تحمل تجربة في التدبير المحلي والحكومي والحزبي.
الديمقراطية لا تقاس بجنس رئيس الحكومة، وإنما بوجود المؤسسات الدستورية، والانتخابات، والتمثيل، والقواعد القانونية، وآليات المسؤولية و المحاسبة. و الدستور المغربي ينظم تعيين رئيس الحكومة في الفصل 47، وفق ما أفرزته انتخابات 2026 مجلس النواب الجديد، التي أعلنت نتائجها عن تصدر حزب الصالة والمعاصرة نتائج الاقتراع، ثم جاء التعيين الملكي في إطار المقتضيات الدستورية.
لذلك، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لا ينبغي أن يُقرا باعتباره خروجا عن المسار الديمقراطي، بل باعتباره تطورا في تمثيل المرأة داخل قمة السلطة التنفيذية، مع بقاء الحكم على التجربة رهينا بالأداء السياسي والحصيلة الحكومية. ثم الأهم في أن المعيار لا ينبغي أن يكون حول امرأة أم رجل؟ بل حول كفاءة، برنامج، تدبير، نتائج ومسؤولية.



