أخبارالرئيسيةفي الصميم

إلا ما قدو فيل.. نزدوه فيلة

إسناد قطاع التواصل إلى محمد المهدي بنسعيد: تراكم الاختصاصات الوزارية وحدود الوصاية الحكومية وضمانات استقلال الصحافة

منير لكماني – ألمانيا

إسناد الحكومة قطاع التواصل إلى وزير ينطوي على توزيع للصلاحيات الإدارية، ويطرح في الوقت نفسه سؤالا يمس جوهر الحياة الديمقراطية: أين تنتهي مسؤولية الدولة عن تنظيم الإعلام، وأين تبدأ حرية الصحافة في مراقبة الدولة؟ بهذا المعنى، يستحق إسناد القطاع إلى محمد المهدي بنسعيد قراءة تتجاوز خبر التعيين، لتبحث في حدود السلطة والضمانات التي تحمي حق المجتمع في المعرفة.

فقد أسند المرسوم رقم 2.26.825، المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7555 بتاريخ 26 أكتوبر 2026، اختصاصات التواصل إلى بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والرياضة في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري. وأحالت مادته الثانية إلى المرسوم رقم 2.24.1143، الصادر في 11 أبريل 2025، لتحديد مضمون هذه الاختصاصات، فيما نصت مادته الخامسة على العمل به ابتداء من 16 أكتوبر 2026.

وتشمل المسؤولية إعداد السياسة الحكومية وتنفيذها في مجالات الصحافة والتواصل العمومي والإعلام السمعي البصري والسينما والإشهار والألعاب الإلكترونية وحقوق المؤلف والحقوق المجاورة. ويضاف إليها اقتراح النصوص القانونية، وتطوير المهن، وتعزيز الشراكات والتعاون الدولي. وهي مجالات تجعل الوزير فاعلا مؤثرا في شروط الإنتاج الإعلامي، وفي الموارد والفرص المتاحة للمؤسسات والعاملين داخل القطاع.

ويظهر هذا التأثير بوضوح في تدبير مساطر دعم الصحافة والنشر والطباعة والتوزيع، وإعداد دفاتر تحملات الشركات الوطنية للإعلام السمعي البصري العمومي لحساب الحكومة، والمساهمة في عقود البرامج. وتظل المصادقة على دفاتر التحملات من اختصاص الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري. أما التحقق من الأخبار الزائفة، فقد ورد ضمن التواصل العمومي والحكومي، بما يستوجب احترام هذا النطاق عند تطبيقه. فمكافحة التضليل مسؤولية تستلزم الدقة واحترام الحريات.

وعلى المستوى المؤسسي، تمنح المادة الثالثة الوزير السلطة على الهياكل الإدارية المحددة في المراسيم المرجعية، ومنها هياكل التواصل، بينما تسند إليه المادة الرابعة وصاية الدولة على المؤسسات العمومية الخاضعة للسلطتين الحكوميتين المكلفتين بالثقافة والاتصال. غير أن المرسوم لا يسمي تلك المؤسسات، ولذلك يتطلب تحديد سلطة الوزير داخل كل واحدة الرجوع إلى نصوصها المنظمة.

وتندرج ضمن المؤسسات المرتبطة بقطاع التواصل وكالة المغرب العربي للأنباء، والمركز السينمائي المغربي، والمكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، ومؤسسات التكوين الإعلامي والسمعي البصري. وتتحدد علاقة الحكومة بالشركات الوطنية للإذاعة والتلفزة وفق القواعد الخاصة بها. ومن ثم، لا يصح اختزال هذا التنوع المؤسسي في تبعية واحدة، أو اعتبار الوصاية الإدارية تفويضا بالتحكم في الأخبار والبرامج.

هنا يبدأ السؤال الأعمق: ما الذي يبقى من استقلال الصحافة أمام اتساع أدوات التدبير الحكومي؟ يقدم الدستور مرجعية واضحة؛ فالفصل 28 يضمن حرية الصحافة، ويحظر الرقابة القبلية، ويؤكد تنظيم القطاع بصورة مستقلة وديمقراطية. ويعهد الفصل 165 إلى الهيئة العليا بحماية التعبير التعددي والحق في المعلومة في المجال السمعي البصري. وتضع هذه الضمانات حدودا واجبة الاحترام أمام السلطة التنفيذية.

لكن الضمانات المعلنة وحدها لا تكفي لتقدير المسافة بين النص والممارسة. فقد تحتفظ مؤسسة إعلامية بحريتها القانونية، بينما تضيق خياراتها بفعل هشاشتها المالية أو اعتمادها على الدعم والإشهار. وقد تتسع رقعة الرقابة الذاتية حين يخشى الصحفي أن تتحول كلمته إلى كلفة مهنية. وهذه احتمالات تستدعي الفحص، ولا يكفي المرسوم وحده لإثبات وقوعها أو استبعادها.

لذلك، تقتضي حماية الاستقلال نشر معايير الدعم ونتائجه، وضمان الإنصاف بين المؤسسات، وإتاحة الطعن، وتعزيز الشفافية في توزيع الموارد. وتحتاج أيضا إلى حقوق مهنية واجتماعية تصون الصحفي، وإلى إدارة إعلامية تحترم مسؤولية غرف الأخبار عن اختياراتها التحريرية. فحرية الصحافة تتأثر بقدرة الصحفي على ممارسة عمله دون خوف من العقاب أو الحرمان الاقتصادي.

ولا ينقل هذا الإسناد إلى الوزير صلاحيات القضاء أو الهيئة العليا أو الجهات المهنية المختصة قانونا. كما لا يمنح، بمجرده، شهادة باستقلال الإعلام أو حكما بانتهائه. والاختبار الفعلي هو مقدار التنوع الذي يجده المواطن، ومساحة المساءلة المتاحة للصحفي، وقدرة الإعلام العمومي على خدمة المجتمع بمختلف أصواته، بعيدا عن الاستعمال الحزبي والمصلحة الضيقة.

أمام بنسعيد، إذن، مسؤولية تطوير القطاع وصيانة شروط حريته معا. وتكتسب هذه المسؤولية معناها حين تتسع الصحافة للنقد، وتبقى أبواب المعلومة مفتوحة، ويعامل الاختلاف بوصفه حقا. فالحكومة التي تقبل أن تسألها الصحافة تمنح المجتمع أسباب الثقة، والإعلام الذي يحتفظ بحريته يمنح الدولة فرصة أن ترى نفسها بعيون مواطنيها.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button