أخبارالرئيسيةثقافة و فن

ليسَ للبحرِ أبناء

شعر: منير لكماني-ألمانيا

ليسَ للبحرِ أبناءٌ يُواسِيهمُ،
ولا لهُ قلبٌ إذا ما هاجَ يَعتذرُ.

يمضي، ويبتلعُ الأحلامَ باسِمَةً،
كأنَّما الموجُ سيفٌ حدُّهُ القدرُ.

يُغري العيونَ ببَرقٍ لا ضياءَ لهُ،
ويزرعُ الوهمَ حتى يُورِقَ الخطرُ.

ما البحرُ بابُ نجاةٍ، بل هو امتحانُ مَنِ
ضاقتْ بهِ النفسُ، لا ضاقتْ بهِ الدُّورُ.

كم ظنَّ راحلُهُ أنَّ الضفافَ غدٌ،
فما رأى غيرَ ليلٍ ظلُّهُ السَّهرُ.

وكم تكسَّرَ فوقَ الملحِ من أملٍ،
حتى غدا الملحُ من أنفاسِهِ شررُ.

يا أيُّها الحلمُ… كم أغويتَ من وطنٍ،
حتى توهَّمَ أنَّ البعدَ مُنتصرُ.

الوطنُ الجرحُ… لكنْ في مَدامِعِهِ
ألفُ الحياةِ، وفي آلامِهِ الظَّفَرُ.

الوطنُ الخبزُ، والأمُّ التي انتظرتْ،
والنخلُ، والطفلُ، والأذانُ، والمطرُ.

الوطنُ النبضُ؛ إن غابَتْ ملامحُهُ،
فكلُّ ما بعدَهُ في الرُّوحِ مُنكسِرُ.

لا تُورِثُ الأرضُ أمجادًا لِمَن هربوا،
لكنَّها تُورِثُ الأحرارَ ما صبروا.

ما شادَ مجدَ البرايا من يُفارقُها،
بل من يُقيمُ، ولو ضاقتْ بهِ الحُفَرُ.

إنَّ الحضارةَ لم تُبنَ السفائنُها،
لكن بناها عَرَقٌ، وارتفعَ الحجرُ.

كم عابرٍ باعَ أحلامًا مُذهَّبةً،
فعادَ يحملُ في عينيهِ ما انكَسَروا.

وكم مقيمٍ سقَى الآمالَ من تعبٍ،
حتى استحالَ على كفَّيْهِ ما انتظروا.

إنَّ الشجاعةَ ليستْ في مغامرةٍ،
بل أن تُصارعَ ليلَ اليأسِ… والفجرُ.

وأن تُقيمَ على الأشواكِ أغنيةً،
حتى يُصدِّقَ أنَّ الوردَ يَنتصرُ.

فازرعْ خطاكَ، فإنَّ الأرضَ تحفظُها،
ولا يحفظُ البحرُ إلا مَن بهِ غَدَرُ.

ليسَ للبحرِ أبناءٌ يُنادِيهمُ،
لكنَّ للوطنِ، مهما جارَ، مُنتظرُ.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button