Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

ظلالُ السُّجود: حكايةُ النَّسيجِ الذي آوى الأَرضَ والسَّماء


بقلم : ديمة الشريف – السعودية
ثَمَّةَ أشياءُ في هذه الحياة لا تُقاسُ بأثمانِها، بل بالمدى الذي تَبسطُ فيه حَنانَها على البَشريَّة. ومن رَحِمِ الأفكارِ البسيطةِ تولَدُ أعظمُ صُورِ التَّكافلِ الإنسانيّ، تِلكَ التي تَتحوَّلُ فيها قِطعةُ قُماشٍ صَغيرة، لا تَتجاوزُ حجمَ كَفِّ اليَد، إلى مِظلَّةٍ مِن الأَجر، ومَلاذٍ مِنَ الفَاقة، ومِحرابٍ يَجمعُ شَتاتَ الأرواحِ في فضاءِ اللهِ الواسع.
المِحرابُ المـُتَنَقِّل:
أرضٌ تَبتهِل حينَ تَمشي في طُرقاتِ الحياة، وتَرى عابرَ سَبيلٍ نَالتْ منه غُبرةُ الطَّريق، أو عاملًا بَسيطًا يَبحثُ عن ظِلٍّ لِيَقِيَ جَبينَهُ وعْثَاءَ التُّرابِ وقتَ الصَّلاة، تَعلمُ حِينها قِيمةَ تِلكَ السَّجادة الجَيبيَّة.
إنَّها لَيستْ مُجرَّد نَسيجٍ مَصفوف؛ بل هي “أَرضٌ طَاهرةٌ مُستعارة” تَحملُها في جَيبكَ لِتَهِبَها لِمنْ ضَاقتْ عليهِ الأَرضُ بما رَحُبتْ.
حينَ تُفرَشُ تِلكَ السَّجادةُ الرَّقيقةُ على عُشبِ حَديقةٍ عامَّة، أو على حَافَّةِ رَصيفٍ عابر، تَتحوَّلُ البُقعةُ طَوعًا إلى مِحرابٍ سَاكن.
تَجمعُ الخَلقَ، تَرصُّ الصُّفوف، وتُعيدُ هَندسةَ الفَضاءِ العَام لِيُصبحَ مَساحةً لِلطُّمأنينةِ والسَّلام.
ومع كُلِّ جَبينٍ يَنحني عليها، يُكتَبُ في صَحائفِ الخَفَاءِ نَهرٌ مِنَ الحَسناتِ لا يَنقطعُ مَجراه، فمَن فَرَشَ لِلناسِ طَريقًا لِلسُّجود، سَجَدتْ أمنياتُهُ بينَ يَدَيِ الكَريمِ مُجابة.
دِفءُ العَابِرين:
رِداءٌ لِمَن هَدَّهُ الصَّقيع ولأنَّ الخيرَ في الإسْلامِ شَجرةٌ مُتعدِّدةُ الأفنان، فإنَّ هذه السَّجادةَ الذَّكيَّةَ لا تَقِفُ عِندَ حُدودِ العبادةِ الشَّعائريَّة، بل تَمْتَدُّ لِتَكُونَ عِبادةً إنسانيَّةً دَافئة.
في لَحظةِ بَردٍ مُفاجِئة، حينَ تَرْتَعِدُ أطرافُ جَسدٍ أتْعبَهُ السَّعيُ في مَناكبِ الأَرض، تَتجلَّى هذه السَّجادةُ لِتَكونَ “رِداءً” .
تَلتحِفُ بها الأَكتافُ المَجهودة، فَتَحميها مِن نَسَماتِ الصَّقيعِ الرَّطب، وتَتحوَّلُ مَادتُها المـُقاوِمة لِلماءِ والرِّيحِ إلى حِصنٍ صَغِيرٍ يَحْرُسُ جَسدَ الضَّعيف.
إنَّها صُورةٌ بَليغةٌ مِن صُورِ الرَّحمة؛ تِلكَ الرَّحمةِ التي لا تَرى في الإنسانِ مُصلِّيًا فَقط، بل جَسدًا يَجوعُ ويَبْردُ ويَحتاجُ إلى لَمسةِ حَنانٍ بَشريَّةٍ تَشُدُّ مِن أَزْرِه.
بَذْرُ المَواسمِ:
جِيوبٌ تَفِيضُ بِالخَير
ما أَجملَ أَنْ يَتحوَّلَ الإنسانُ إلى غَيمَةٍ مَاطِرةٍ أينَما حَلَّتْ نَفَعَتْ .
إنَّ فِكرةَ شِراءِ المَجْموعَاتِ مِن هذه السَّجَائِدِ الجَيْبيَّةِ وتَوزيعِها في المَواسمِ
حيثُ يَزْدَحِمُ خَلْقُ اللهِ في المَشاعرِ والمَساجِدِ والمُصَلَّيَاتِ المتنقلة
هي ذُرْوَةُ الذَّكاءِ التَّعَبُّدِيّ.
تَتْرُكُ سَجادةً هُنا، وتَهَبُ أُخْرى لِعَابرٍ هُناك، وتَضَعُ ثَالِثَةً بِجِوارِ مُصَلًّى يَؤُمُّهُ الغُرَبَاء.
في تِلْكَ اللَّحْظَة، أَنْتَ لا تُوَزِّعُ قِطَعَ قُمَاش، بَلْ تَزْرَعُ “مَنَارَاتِ ذِكْر”.
غَدًا، حِينَ تَرْحَلُ عَنِ المـَكَان، سَتَبْقَى تِلْكَ السَّجَائِدُ تَتَكَلَّمُ نِيَابَةً عَنْك.
سَيَجْلِسُ عَلَيْهَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لِيَسْتَرِيحَ فِي ظِلِّ شَجَرَة، وسَيَسْجُدُ عَلَيْهَا شَابٌّ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ الطَّرِيق، وسَيَلْتَفِعُ بِهَا طِفْلٌ شَعَرَ بِالبرد.
خَاتِمَةُ الأَثَر
كَتَبَ اللهُ أَجْرَ تِلْكَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ التي نَبَتَتْ فِي قَلْبِكَ، فَكُلُّ خَطْوَةٍ نَحْوَ تَسْهِيلِ العِبَادَةِ عَلَى النَّاسِ هِيَ بَابٌ رَحْبٌ مِن أَبْوَابِ الجَنَّة.
هَنِيئًا لِمَنْ جَعَلَ مِنْ جَيْبِهِ مَخْزَنًا لِلرَّحْمَة، ومِنْ سَجَادَتِهِ رِدَاءً لِلْإِنْسَانِيَّة، ومِنْ حَيَاتِهِ مَشْرُوعًا لِتَكْدِيسِ العَالَمِ فِي رِحَابِ الطَّاعَةِ والسُّجُود. سَتَنَالُ
بِإِذْنِ اللهِ أَجْرَ كُلِّ جَبْهَةٍ خَشَعَتْ، وكُلِّ جَسَدٍ اسْتَدْفَأَ، وكُلِّ نَفْسٍ رَحَلَتْ إِلَى اللهِ مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ النَّسِيجِ المـُبَارَك.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button