الأمن الطاقي في إفريقيا..معركة السيادة في زمن الأزمات العالمية

الفصل الخامس: المغرب… حين تتحول الطاقة إلى رافعة للدبلوماسية والسيادة
الحدث الافريقي- عبدالسلام العزوزي
إذا كانت التحولات الجارية في قطاع الطاقة قد دفعت العديد من الدول الإفريقية إلى إعادة النظر في سياساتها الاقتصادية، فإن المغرب اختار منذ أكثر من عقدين مسارًا مختلفًا يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أبعادها.” الدولة التي لا تملك وفرة من النفط والغاز يمكنها أن تبني أمنها الطاقي بالاستثمار، والابتكار، والشراكات، وحسن توظيف موقعها الجغرافي”.
هذه الرؤية لم تكن وليدة أزمة دولية عابرة، بل جاءت نتيجة إدراك مبكر بأن الاعتماد شبه الكامل على واردات الطاقة يمثل تحديًا استراتيجيًا لاقتصاد يتطلع إلى تعزيز تنافسيته الصناعية وترسيخ مكانته كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا.
ومن هذا المنطلق، لم يتعامل المغرب مع الطاقة باعتبارها ملفًا تقنيًا يهم وزارة أو قطاعًا اقتصاديًا بعينه، وإنما باعتبارها جزءًا من مشروع تنموي وسيادي متكامل، يتقاطع مع السياسة الخارجية، والأمن الاقتصادي، والاستثمار، والتكامل القاري.
من استيراد الطاقة إلى تنويع مصادرها
ظل المغرب لعقود من بين الدول المستوردة لمعظم احتياجاتها من الطاقة، وهو ما جعلها عرضة لتقلبات الأسواق الدولية وارتفاع أسعار النفط والغاز. غير أن هذا الواقع دفع الرباط إلى إطلاق استراتيجية بعيدة المدى تقوم على تنويع مزيج الطاقة، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري تدريجيًا، من خلال الاستثمار في الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، وتعزيز كفاءة الاستهلاك، وتطوير البنية التحتية الكهربائية. ولم يكن الهدف مجرد إنتاج الكهرباء من مصادر نظيفة، بل بناء نموذج اقتصادي أكثر قدرة على مواجهة الأزمات الخارجية، وأكثر جاذبية للاستثمارات الصناعية التي تبحث عن طاقة مستقرة وتنافسية.
الطاقات المتجددة… رهان على المستقبل
أصبحت المشاريع الكبرى في مجال الطاقة الشمسية والريحية عنوانًا للتحول المغربي في هذا القطاع. فقد أسهمت الاستثمارات المتواصلة في رفع مساهمة الطاقات المتجددة في القدرة الكهربائية المركبة، ورسخت صورة المغرب كأحد أبرز الفاعلين الأفارقة في التحول الطاقي. لكن القيمة الحقيقية لهذه المشاريع لا تكمن في أرقام الإنتاج وحدها، بل في الرسالة التي تحملها: أن الأمن الطاقي يمكن أن يُبنى عبر الابتكار، وليس فقط عبر امتلاك الموارد التقليدية.
واليوم، يتطلع المغرب إلى مرحلة جديدة عنوانها الهيدروجين الأخضر، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة في العقود المقبلة. ويستفيد في هذا الرهان من موقع جغرافي قريب من الأسواق الأوروبية، ومن وفرة الطاقة الشمسية والريحية، ومن بنية تحتية تتطور باستمرار.
أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي… أكثر من مشروع طاقة
من بين المشاريع التي تعكس الرؤية المغربية طويلة الأمد، يبرز مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يربط المغرب بنيجيريا مرورًا بعدد من دول غرب إفريقيا. ورغم أن المشروع يُقدَّم عادة باعتباره مشروعًا لنقل الغاز، فإن أبعاده تتجاوز ذلك بكثير. فهو مشروع يهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول المشاركة، وتحسين الولوج إلى الطاقة، وخلق فرص للاستثمار والصناعة، وربط أسواق غرب إفريقيا بشمال القارة وأوروبا.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى الأنبوب باعتباره نموذجًا لما يمكن تسميته “دبلوماسية البنية التحتية”، حيث تتحول المشاريع الاقتصادية الكبرى إلى أدوات لبناء الثقة وتعزيز المصالح المشتركة.
الموانئ والربط… صناعة الموقع الإستراتيجي
لا تكتمل الرؤية الطاقية المغربية دون النظر إلى البنية اللوجستية التي تدعمها. فالموانئ الكبرى، وفي مقدمتها طنجة المتوسط، إلى جانب المشاريع الجديدة مثل ميناء الناظور غرب المتوسط، لا تؤدي دورًا تجاريًا فحسب، بل تساهم في تعزيز موقع المملكة ضمن سلاسل الإمداد الإقليمية والدولية. كما يشكل الربط الكهربائي مع أوروبا، إلى جانب مشاريع الربط المستقبلية مع دول إفريقية، عنصرًا مهمًا في بناء سوق طاقية أكثر تكاملًا، تسمح بتبادل الكهرباء والطاقة النظيفة، وتدعم استقرار الشبكات. وهكذا، يصبح الموقع الجغرافي للمغرب جزءًا من معادلته الطاقية، وليس مجرد معطى جغرافي ثابت.
بين إفريقيا وأوروبا… سياسة الجسر
لعل ما يميز المقاربة المغربية هو أنها لا تنظر إلى الطاقة من زاوية الإنتاج فقط، بل من زاوية الربط. فالرباط تسعى إلى أن تكون منصة للتعاون بين شمال القارة وجنوبها، وبين إفريقيا وأوروبا، مستفيدة من علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع الجانبين. وفي هذا السياق، تتقاطع مشاريع الطاقة مع السياسة الإفريقية للمملكة، القائمة على الشراكات جنوب-جنوب، والاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، بما يجعل الطاقة أداة للتقارب، لا مجرد سلعة للتصدير.
التحديات… الطريق ما زال مفتوحًا
ورغم ما تحقق، فإن الرؤية المغربية تواجه تحديات حقيقية. فمشاريع التحول الطاقي تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وتطوير الصناعات المحلية المرتبطة بالتجهيزات والتكنولوجيا، وتعزيز البحث العلمي، وتكوين الكفاءات، إضافة إلى تسريع تنفيذ بعض المشاريع الكبرى.
كما أن المنافسة الدولية في مجالات الهيدروجين الأخضر، وسلاسل القيمة الصناعية، ستزداد حدة خلال السنوات المقبلة، ما يفرض مواصلة الابتكار، وتوسيع الشراكات، والحفاظ على تنافسية الاقتصاد الوطني. لكن هذه التحديات لا تقلل من أهمية المسار، بل تؤكد أن الأمن الطاقي ليس هدفًا يُنجز مرة واحدة، وإنما عملية مستمرة تتطلب التكيف مع المتغيرات العالمية.
المغرب… فاعل في معادلة جديدة
إذا كان القرن الماضي قد منح الأفضلية للدول التي تمتلك النفط، فإن القرن الحالي يبدو أكثر انفتاحًا على نماذج جديدة تقوم على تنويع المصادر، والابتكار، والربط الإقليمي، والاقتصاد الأخضر.
وفي هذا السياق، يحاول المغرب أن يرسخ مكانته ليس باعتباره أكبر منتج للطاقة في إفريقيا، بل باعتباره فاعلًا في هندسة الفضاء الطاقي الإفريقي، عبر مشاريع تتجاوز الحدود الوطنية، وتسعى إلى ربط المصالح الاقتصادية بالقارة، في رؤية تجعل من الطاقة وسيلة لتعزيز التنمية، والتكامل، والسيادة.
تمهيد للفصل السادس والأخير
بعد استعراض الثروات، والتجارب الوطنية، وخريطة التنافس الدولي، والدور المغربي، يبقى السؤال الأكبر: هل تمتلك إفريقيا الشروط اللازمة لتحقيق استقلالها الطاقي خلال العقود المقبلة، أم أن الطريق ما زال مليئًا بالعقبات؟
سيحاول الفصل الأخير تقديم قراءة استشرافية، لا تتنبأ بالمستقبل، بل تستند إلى الاتجاهات الحالية لتحديد السيناريوهات الأكثر احتمالًا، والإجابة عن سؤال سيحدد مكانة إفريقيا في النظام الاقتصادي العالمي خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين.
يتبع….



