Hot eventsأخبارفي الصميم

زواج الفاتحة بين بساطة العرف ومخاطر الواقع المعاصر


ألمانيا-منير لكماني
زواج نية تدبيرو عام

ليست كل العادات التي صمدت أمام الزمن جديرة بأن تستمر، فبعضها يولد في ظروف تاريخية محددة، ثم يفقد مبرراته حين تتغير الحياة. و«زواج الفاتحة» واحد من تلك الممارسات التي انتقلت من بيئة اجتماعية كان فيها التوثيق صعبا إلى واقع حديث أصبحت فيه الوثيقة القانونية جزءا أساسيا من حماية الأسرة. وبين الأمس واليوم، تغيرت الوسائل، لكن الأخطر أن بعض التبريرات ظلت على حالها.

في الذاكرة الاجتماعية المغربية، ارتبط زواج الفاتحة خصوصا بالقرى والمداشر البعيدة، حيث كانت المحاكم والإدارات بعيدة، ووسائل النقل محدودة، والأمية واسعة، فيما كانت الجماعة المحلية تقوم مقام السجل الاجتماعي. كان الزواج معلنا بين العائلتين، يعرفه الأقارب والجيران، وتنتقل الزوجة إلى بيت زوجها أمام الجميع، فيصبح إنكار العلاقة أمرا بالغ الصعوبة أخلاقيا واجتماعيا.

لم تكن قراءة الفاتحة، مع ذلك، هي التي تنشئ الزواج. فهي لم تكن في يوم من الأيام بديلا عن العقد، وإنما اقترنت في المخيال الشعبي بإعلان الارتباط والدعاء بالبركة. الزواج، في جوهره الديني والاجتماعي، يقوم على الرضا والالتزام والإشهار وتحمل المسؤولية، وتترتب عليه آثار تمس النسب والنفقة والإرث والحضانة وسائر حقوق الأسرة.

المفارقة أن الظاهرة لم تختف مع زوال كثير من أسبابها القديمة. فالإدارة اليوم أقرب، والتعليم أوسع، والمعلومة القانونية متاحة، ووسائل إثبات الهوية والحالة المدنية أكثر تطورا. ومع ذلك، انتقل الزواج غير الموثق إلى المدن، وأصبح يظهر أحيانا بين أشخاص متعلمين وأصحاب مهن وشهادات عليا. وهنا لم يعد السؤال متعلقا بالجهل وحده، بل بطبيعة المسؤولية التي يريد بعض الناس تحملها أو الهروب منها.

فحين يكون الرجل قادرا على توثيق الزواج ثم يرفض ذلك، أو يشترط السرية، أو يؤجل العقد إلى أجل غير معلوم، يصبح من المشروع التساؤل عن الدافع الحقيقي. قد يكون الهدف إخفاء زواج ثان، أو تجاوز بعض الإجراءات القانونية، أو تفادي الالتزامات المالية، أو الاحتفاظ بإمكانية إنكار العلاقة متى تغيرت الظروف. وفي حالات أكثر هشاشة، قد تصبح المرأة المطلقة أو الأرملة أو القاصر أو محدودة الموارد الطرف الذي يدفع ثمن هذا الغموض.

وهنا تتجلى خطورة استعمال الخطاب الديني لتبرير واقع غير متوازن. عبارة «المهم أن الزواج حلال» قد تبدو مطمئنة، لكنها لا تجيب عن الأسئلة الحقيقية: من يثبت الزواج إذا وقع الخلاف؟ من يحمي حق الزوجة في النفقة؟ كيف تثبت حقوق الأطفال؟ وما الذي يحدث إذا توفي الزوج أو أنكر العلاقة أو نشب نزاع حول الإرث؟

التوثيق لا يحول الزواج من حلال إلى حلال، ولا ينافس الدين في اختصاصه، بل يحول الالتزام الأخلاقي إلى حق قابل للإثبات. وهو يحمي الرجل كما يحمي المرأة، لأنه يمنع الادعاءات المتناقضة ويحدد تاريخ العلاقة وشروطها وآثارها. كما أن مقاصد الشريعة نفسها تقوم على حفظ الحقوق والأنساب والعهود، ولا يستقيم الاحتجاج بالدين لتبرير وضع يجعل الحقوق عرضة للإنكار.

أما القول إن الأجداد تزوجوا من دون وثائق، فيتجاهل اختلاف الزمن. فمجتمع القرية المغلق، الذي يعرف فيه الجميع بعضهم بعضا، ليس هو المدينة الحديثة التي ينتقل فيها الإنسان بين المدن والدول وتتعقد فيها مسائل السكن والهجرة والإرث والحضانة. وما كان اضطرارا في زمن ما لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز في زمن آخر.

وتظل المرأة والأطفال الحلقة الأضعف. فالمرأة قد تجد نفسها بعد سنوات زوجة في الواقع وغريبة في الوثائق، بينما قد يدخل الأطفال منذ ولادتهم في نزاعات كان يمكن تفاديها بتوقيع عقد واضح منذ البداية. ولهذا لا تكفي النوايا الحسنة، لأن الحقوق لا تبنى على النوايا وحدها، بل على ضمانات تمنع تبدل المواقف.

المشكلة، إذن، ليست في الفاتحة، ولا في الدين، ولا في العرف بوصفه جزءا من الذاكرة الاجتماعية، وإنما في تحويل رمز ديني نبيل إلى ستار يبرر علاقة ناقصة الحماية. ومن يعرف القانون ثم يتعمد الالتفاف عليه لا يمكنه الاحتماء بالجهل، بل تصبح مسؤوليته الأخلاقية أكبر.

الزواج ليس وعدا مؤجلا ولا امتيازا بلا تبعات. إنه عهد، والعهد الذي يستحق اسمه لا يخشى النور ولا الوثيقة. وبين فاتحة تقرأ في دقائق وحقوق قد تمتد جيلا كاملا، تظل الحقيقة بسيطة: ما يحفظ كرامة الأسرة ليس كثرة الوعود، بل وضوح الالتزام، وما يصون الزواج ليس الإعلان عنه بالكلمات وحدها، بل القدرة على إثباته يوم تصبح الكلمات موضع نزاع.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button