
بقلم: ليلى حبش حاريت
لم يعد الخلاف داخل الزاوية القادرية البودشيشية مجرد شأن عائلي يخص شقيقين اختلفا حول موقع المشيخة، بل أصبح قضية تطرح أسئلة أعمق حول معنى الشرعية داخل الطرق الصوفية، وحدود انتقال المشيخة، ودور المؤسسات الدينية الرسمية في تدبير مثل هذه الأزمات.
فالزاوية التي عُرفت لعقود بالذكر والسماع والتربية الروحية، تجد نفسها اليوم أمام مشهد مؤلم: بيانات متعارضة، مريدون منقسمون، روايات مختلفة حول الوصية والتنازل، ثم صور ومقاطع متداولة تتحدث عن احتكاكات داخل محيط الزاوية.
وهنا لا بد من التوقف، فأيا كان صاحب الحق في المشيخة، فإن تحويل الخلاف الروحي إلى صراع بالأجساد أو إلى معركة أنصار لا يخدم الطريقة ولا تاريخها.
منير أم معاذ؟ السؤال ليس بهذه البساطة، فمنذ وفاة الشيخ جمال الدين القادري بودشيش في غشت 2025، برز اسم منير باعتباره صاحب أحقية في المشيخة وفق رواية تستند إلى الوصية، قبل أن يعلن لاحقاً تسليم المشيخة إلى شقيقه معاذ، داعياً المريدين إلى الالتفاف حوله حفاظاً على وحدة الطريقة.
كان يفترض أن يكون ذلك الإعلان نهاية للخلاف. لكن ما حدث بعد ذلك أثبت أن المسألة أعمق من مجرد إعلان تنازل.
ففي مراحل لاحقة، ظهرت مواقف داخلية وإعلامية تعيد التأكيد على مشيخة منير، بينما برزت في المقابل مواقف أخرى تؤكد مشيخة معاذ. وفي أغسطس 2026 تحديداً، نُشر بيان منسوب إلى مجلس مقدمي الطريقة يؤكد أن منير هو شيخ الطريقة والقائم على شؤونها التربوية.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً، كيف يمكن لشخص أن يتنازل عن المشيخة ثم تعود مؤسسات من داخل الطريقة لتؤكد لاحقاً أنه شيخها؟
هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بالانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك، وإنما بالعودة إلى الوثائق الأصلية، وتسلسلها الزمني، والجهة التي تملك فعلاً سلطة الحسم داخل الطريقة.
في تقديري، جوهر الأزمة ليس في شخص منير ولا في شخص معاذ. الأزمة الحقيقية هي أن الطريقة لم تقدم للرأي العام، منذ البداية، صيغة موحدة ونهائية تشرح آلية انتقال المشيخة. فالوصية، إن كانت موجودة ونافذة داخل الأعراف الروحية للطريقة، لها دلالتها. والتزكية الروحية لها دلالتها. وقبول المريدين ومجلس المقدمين له دلالته.
أما الدولة ومؤسساتها الدينية فلها مستوى آخر من الاعتراف والتعامل المؤسساتي. وعندما تتداخل هذه المستويات من دون توضيح، يصبح المريد البسيط أمام أكثر من شيخ وأكثر من رواية وأكثر من “شرعية”.
وهذا أخطر على أي طريقة صوفية من الخلاف نفسه. من الخطأ أيضاً اختزال موقف الدولة في عبارة: “الدولة اختارت معاذ” أو “الدولة اختارت منير”، من دون وثيقة رسمية صريحة.
المؤكد أن الشأن الديني في المغرب له منظومة مؤسساتية دقيقة، وأن وزارة الأوقاف حاضرة في المجال الديني المغربي. لكن حضور الوزارة أو تعاملها مع أحد الأطراف لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى “تعيين” للمشيخ.
والأهم أن الدولة المغربية، بحكم طبيعة مؤسسة إمارة المؤمنين، حريصة تاريخياً على أن تظل الطرق الصوفية جزءاً من منظومة الأمن الروحي، لا ساحة للصراع السياسي أو العائلي.
لذلك فإن السؤال الذي يجب طرحه ليس، من يدعم هذا الأخ أو ذاك؟ بل، هل تستطيع المؤسسات المعنية أن تساعد على إنهاء حالة الالتباس بما يحفظ استقلال الطريقة ووحدتها ويمنع انتقال الخلاف إلى الشارع؟
عندما تدخل السياسة من الباب الخلفي، حيث الأكثر إثارة للقلق هو أن الخلاف لم يعد محصوراً في الجانب الروحي.
فالتغطيات الإعلامية بدأت تربطه بشخصيات سياسية، وبتيارات ومحيطات مختلفة، كما ظهرت اتهامات متبادلة بشأن علاقات هذا الطرف أو ذاك. وقد تحدثت بعض المنابر عن امتدادات سياسية للخلاف، لكن هذه الادعاءات تحتاج إلى أدلة مستقلة، ولا ينبغي تحويلها إلى حقائق لمجرد تداولها إعلامياً. فالطريقة الصوفية ليست حزباً سياسياً.والمريد ليس ناخباً. والمشيخة ليست منصباً انتخابياً.
وحين تدخل الحسابات السياسية إلى فضاء يفترض أنه قائم على التربية الروحية، فإن الخاسر الأول هو المعنى نفسه الذي قامت عليه الزاوية. فالخلاف بين الشقيقين يمكن أن ينتهي بالتفاهم. أما إذا انتقل الخلاف إلى المريدين، فالأمر يصبح أكثر خطورة. المريد الذي كان يأتي إلى الزاوية طلباً للسكينة والذكر، يجد نفسه مضطراً إلى اختيار معسكر.
وهنا تتحول الطريقة من فضاء يجمع الناس إلى فضاء يقسمهم.
وإذا صحت المقاطع المتداولة أخيراً عن احتكاكات داخل محيط الزاوية، فإنها تمثل إنذاراً ينبغي ألا يمر مرور الكرام. فقد نشرت وسائل إعلام خلال الأيام الأخيرة روايات عن اشتباكات واحتكاكات مرتبطة بأزمة الخلافة، لكن مسؤولية الأشخاص والوقائع الدقيقة تحتاج إلى تحقيق مستقل، لا إلى مقاطع مبتورة أو روايات طرف واحد.
هل يمكن إنقاذ البودشيشية؟ نعم، ولكن بشرط واحد، أن ينتصر منطق الطريقة على منطق الصراع. والحل ليس في بيان جديد يهاجم الطرف الآخر. وليس في حشد المريدين. وليس في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي لتصفية الحسابات.
الحل في اجتماع واضح، ومرجعية واضحة، ووثائق واضحة، وتحكيم أهل الطريقة ممن لا مصلحة لهم في الصراع.
وإذا كان هناك تنازل موثق، فليعرض بشفافية. وإذا كانت هناك وصية، فليشرح مضمونها وموقعها في أعراف الطريقة.
وإذا كانت هناك تزكية أو إجازة روحية، فليتم توضيحها. وإذا كان مجلس المقدمين هو صاحب الاختصاص، فليعلن للرأي العام نظامه وقراراته كاملة. فالشرعية التي تحتاج إلى كل هذا الكم من الصراخ لإثبات نفسها، تحتاج قبل كل شيء إلى مراجعة طريقة تقديمها.
لا أملك أن أقول إن منير هو صاحب الحق المطلق، ولا أن معاذ هو صاحب الحق المطلق. لكنني أملك أن أقول إن استمرار هذا الغموض يسيء إلى الاثنين، ويسيء إلى المريدين، ويسيء قبل الجميع إلى صورة الطريقة القادرية البودشيشية.
لقد ورث الشقيقان اسما روحيا كبيرا وتاريخا يتجاوز الأشخاص. ومن حق المريدين أن يعرفوا الحقيقة، لا أن يعيشوا بين رواية وجدت الزاوية أصلا، لتجمع القلوب، لا لتقسمها.



