إفريقيا تستدير نحو المستقبل وتبحث عن استقلال القرار

الرادار الإفريقي | صباح الثلاثاء 18 غشت 202
عين الرباط على إفريقيا
تدخل إفريقيا هذا الثلاثاء يوماً جديداً وهي تتحرك على أكثر من جبهة في آن واحد. ففي الجنوب، أعاد الناخب الزامبي انتخاب الرئيس هاكايندي هيشيليما لولاية ثانية، مانحاً إياه تفويضاً جديداً لمواصلة برنامجه الاقتصادي. وفي الجنوب أيضاً، اختتمت قمة مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية «سادك» في ديربان، وسط دعوات إلى تسريع الاندماج الاقتصادي وتحرير الإمكانات الحقيقية للسوق الإقليمية.
وفي الغرب، يستعد صندوق النقد الدولي لجولة جديدة من المباحثات مع السنغال حول برنامج تمويلي جديد، بينما تستمر الضغوط المرتبطة بالديون. وفي قلب القارة، يتحول تفشي إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى أزمة صحية غير مسبوقة في تاريخ البلاد.
لكن خلف هذه العناوين المتفرقة، ثمة سؤال إفريقي واحد يتكرر بصيغ مختلفة؛ هل تستطيع الدول الإفريقية الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة مستقبلها؟
زامبيا..الناخب يجدد الثقة والاقتصاد أمام الاختبار
حصل الرئيس الزامبي هاكايندي هيشيليما على ولاية ثانية، بعد حصوله على نحو 60% من الأصوات وفق النتائج التي أعلنتها اللجنة الانتخابية، مقابل نحو 38% لمنافسه الرئيسي براين موندوبيله.
الفوز لا يمثل فقط استمراراً سياسياً؛ بل يأتي في بلد يحاول الخروج من واحدة من أصعب أزمات الديون السيادية التي عرفتها إفريقيا خلال السنوات الماضية.
هيشيليما يدخل ولايته الثانية وفي يده ورقة مهمة: استعادة قدر من الثقة الاقتصادية وإعادة هيكلة الديون. لكن الناخب الزامبي يطالبه الآن بما هو أبعد من مؤشرات الاقتصاد الكلي، مزيدا من فرص العمل وتحسين القدرة الشرائية، وتوفيرالخدمات الأساسية.
ما وراء الخبر
الانتخابات الإفريقية لم تعد تُحسم فقط بشعار الاستقرار السياسي، بل بتحقيق مطالب الناخب اليومية. بوضعه سؤال جول ماذا تغير في حياتي بعد الانتخابات؟، وهنا تكمن صعوبة الولاية الثانية لهيشيليما؛ فالاستقرار المالي لا يكفي إذا لم يتحول إلى نمو محسوس في حياة المواطنين. وتقول قراءة اقتصادية حديثة إن المستثمرين ينظرون إلى إعادة انتخابه باعتبارها عامل استمرارية للسياسات، لكنهم ينتظرون الآن ترجمة الاستقرار إلى نمو أوسع.
“سادك”..من السوق الإقليمية إلى سؤال التكامل الإفريقي
اختتمت مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية قمتها السادسة والأربعين في ديربان، في لحظة تبحث فيها المنطقة عن صيغة أكثر فعالية للتكامل الاقتصادي والسياسي. وفي نفس السياق، دعا الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا إلى تسريع الاندماج الاقتصادي، محذراً من أن المنطقة لم تستثمر بعد كامل إمكانات سوقها الإقليمية .
واللافت أن القمة لم تتوقف عند الخطاب السياسي؛ فقد برز أيضاً مسار لإنشاء «UNIVISA»، وهي صيغة تأشيرة إقليمية موحدة يفترض أن تسهل حركة السياح داخل دول المنطقة.
ما وراء الخبر
هذه التفاصيل الصغيرة قد تكون أهم من البيانات السياسية الكبرى. فإفريقيا لن تصبح قوة اقتصادية عالمية بمجرد امتلاكها المعادن والثروات الطبيعية؛ بل تحتاج إلى حرية أكبر في حركة الإنسان ورأس المال والسلع والخدمات. ومن هنا، فإن أي خطوة نحو تسهيل التنقل الإفريقي هي في العمق خطوة نحو بناء السوق الإفريقية الموحدة.
الكونغو الديمقراطية..إيبولا يتحول إلى إنذار قاري
في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، تجاوز تفشي إيبولا مستوى الخطر المحلي ليتحول إلى واحدة من أخطر الأزمات الصحية التي عرفتها البلاد. وأعلنت السلطات أن عدد الوفيات بلغ 2,325 حالة، ما جعل التفشي الحالي الأكثر فتكاً في تاريخ الكونغو الديمقراطية. كما تجاوز عدد الإصابات أربعة آلاف حالة وفق آخر المعطيات المنشورة في الأسابيع الماضية.
المشكلة لا تكمن فقط في الفيروس، وإنما في البيئة التي يتحرك داخلها: نزوح سكاني، مناطق صعبة الوصول، هشاشة البنية الصحية، وحركة مستمرة للسكان عبر مناطق متأثرة بالأزمات الأمنية. وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية استمرارها في متابعة الوضع ضمن خطة استجابة إقليمية للفترة من يونيو إلى نونبر 2026.
ما وراء الخبر
الصحة في إفريقيا أصبحت قضية أمن قومي. فالحدود السياسية لا توقف الأوبئة، كما أن النزاعات المسلحة لا تسمح ببناء أنظمة صحية قوية.
وإذا كانت إفريقيا تريد أن تتحول إلى قوة اقتصادية، فإن الاستثمار في المستشفيات واللقاحات والبحث العلمي والأمن الصحي لم يعد ترفاً اجتماعياً، بل أصبح جزءاً من معادلة السيادة.
السنغال..الاقتصاد أمام امتحان الديون
في غرب إفريقيا، يستعد صندوق النقد الدولي لإرسال بعثة إلى السنغال خلال الفترة من 19 غشت إلى فاتح شتنبر، في إطار مباحثات تقنية حول برنامج تمويلي جديد. ولن يكون الملف ليس مالياً فقط؛ فالسنغال ما زالت تواجه تداعيات أزمة الديون والبيانات المالية التي كشفت عن فجوة كبيرة بين المعطيات السابقة والحجم الحقيقي للمديونية، وهو ما أدى إلى تجميد برنامج تمويلي سابق بقيمة 1.8 مليار دولار.
ما وراء الخبر
السنغال تطرح سؤالاً أوسع يهم عدداً كبيراً من الاقتصادات الإفريقية؛ كيف تموّل إفريقيا تنميتها من دون الوقوع مجدداً في فخ المديونية؟ المعادلة المقبلة لن تكون بين «الاقتراض» و«عدم الاقتراض»، وإنما بين الاقتراض المنتج والاقتراض الذي يستهلك المستقبل. وهنا تبرز الحاجة إلى تمويل إفريقي أكبر، وأسواق مالية إقليمية أقوى، وتعبئة أفضل للمدخرات الإفريقية.
جنوب إفريقيا..«سادك» تبحث عن اقتصاد يتجاوز الحدود
القمة الأخيرة في ديربان أعادت جنوب إفريقيا إلى واجهة النقاش حول مستقبل التكامل الإقليمي، خصوصاً في ظل دعوات إلى التصنيع وتوسيع السوق المشتركة وتعزيز التعاون الاقتصادي. وهذا مهم في لحظة تتسابق فيها القوى الدولية على المعادن الاستراتيجية الإفريقية والأسواق الجديدة.
فالقارة تمتلك المواد الأولية التي تحتاجها الصناعة العالمية الجديدة، لكن السؤال الحاسم يبقى؛ هل ستبيع إفريقيا ثرواتها كما فعلت لعقود، أم ستصنع بها مستقبلها الصناعي؟
المغرب وإفريقيا..من متابعة المشهد إلى صناعة الروابط
وفي شمال القارة، يواصل المغرب ترسيخ موقعه كفاعل مرتبط بالفضاء الإفريقي، ليس فقط من خلال العلاقات السياسية، وإنما عبر الاقتصاد والبنية التحتية والاستثمار والتعاون جنوب-جنوب.
وهنا تصبح قراءة ما يحدث في إفريقيا من الرباط أكثر أهمية؛ لأن التحولات التي تعرفها القارة، من الهجرة إلى الأمن والطاقة والغذاء والتصنيع، ليست ملفات بعيدة عن المغرب، بل ترتبط مباشرة بموقعه الجغرافي وبخياراته الاستراتيجية.
وتكشف التطورات الأخيرة حول الهجرة نحو سبتة، مثلاً، أن قضية الهجرة لم تعد ملفاً حدودياً ضيقاً، وإنما أصبحت جزءاً من معادلة أمنية وإنسانية وسياسية بين إفريقيا وأوروبا، مع استمرار التعاون المغربي الإسباني في مواجهة محاولات العبور الجماعي.
مؤشر إفريقيا اليوم
السياسة: تجديد ولاية هيشيليما يضع الأداء الاقتصادي أمام امتحان جديد.
الاقتصاد: السنغال تبحث عن مخرج تمويلي في ظل ضغوط الديون.
الأمن الصحي: إيبولا في الكونغو الديمقراطية يتحول إلى أخطر إنذار صحي بالقارة.
التكامل: “سادك” تدفع باتجاه سوق إقليمية أكثر اندماجاً.
الحركة الإفريقية: مشروع التأشيرة الإقليمية الموحدة يفتح نقاشاً جديداً حول حرية التنقل.
المغرب وإفريقيا: الهجرة والأمن والاقتصاد تؤكد أن شمال القارة وجنوبها أصبحا أكثر ترابطاً من أي وقت مضى.
ما وراء الرادار
إفريقيا اليوم لا تعيش أزمة واحدة؛ إنها تعيش مرحلة انتقال تاريخية. انتقال من قارة كانت تُقرأ غالباً باعتبارها فضاءً للأزمات والحروب والفقر، إلى قارة تتصارع داخلها مشاريع متعددة حول من يمتلك القرار، ومن يتحكم في الثروة، ومن يصنع المستقبل.
زامبيا تقول إن الاستقرار الاقتصادي يمكن أن يتحول إلى شرعية سياسية، والسنغال تقول إن الاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة الاستقلال المالي، والكونغو الديمقراطية تذكر بأن التنمية لا يمكن أن تقوم فوق أنظمة صحية هشة، وقمة «سادك» تقول إن الثروة الإفريقية لن تتحول إلى قوة حقيقية ما لم تتحول الحدود من عوائق إلى جسور.
وهنا بالضبط يكمن مربط الفرس الإفريقي؛ ليس فقط من يملك إفريقيا، بل من يملك القدرة على تحويل ما تملكه إفريقيا إلى قوة إفريقية حقيقية.
وهذه هي القصة التي سنواصل قراءتها من الرباط، صباح كل يوم.



