Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين الحدث الافريقي

العالم بعد كاراكاس

اعتقال رئيس دولة ذات سيادة بقوة عسكرية أجنبية ليس حدثًا عابرًا ولا تفصيلاً أمنيًا، بل لحظة فاصلة تعلن انهيار مفهوم السيادة كما عرفه العالم بعد الحرب العالمية الثانية. ما جرى في كاراكاس كشف أن القانون الدولي لم يعد مرجعية ملزمة، بل نصًا انتقائيًا يُستعمل ضد الضعفاء ويُعلَّق فور تعارضه مع مصالح الأقوياء.

التوقيت وحده كان كافيًا لفضح الرسائل الخفية. قبل ساعات من الاعتقال، كان الرئيس الفنزويلي يستقبل مبعوثًا صينيًا رفيعًا، في مشهد شراكة معلنة. ما تبع ذلك لم يكن ضربة لكاراكاس فقط، بل صفعة دبلوماسية لبكين، مفادها أن النفوذ الاقتصادي والتحالفات الاستراتيجية لا توفر حماية حين تقرر واشنطن التحرك بالقوة.

روسيا وإيران أدانتا العملية بعبارات قاسية، لكن خلف اللغة السياسية كان الخوف هو العنوان الحقيقي. موسكو رأت في ما حدث سابقة قابلة للتكرار، وطهران قرأت المشهد باعتباره رسالة تحذير مفتوحة. الاعتراض هنا لم يكن دفاعًا عن فنزويلا بقدر ما كان دفاعًا استباقيًا عن الذات.

في أمريكا اللاتينية، عاد شبح الماضي بقوة. بيانات الاستنكار الصادرة عن البرازيل والمكسيك وكولومبيا لم تُخفِ القلق العميق لدى قادة القارة. الرسالة كانت واضحة: الحصانة الرئاسية لم تعد ضمانة، ومبدأ تقرير المصير يمكن أن يُسحق حين تتقدم القوة العسكرية على السياسة.

الأكثر فجاجة كان الموقف الأوروبي. قارة اعتادت تقديم الدروس في احترام القانون الدولي، اختارت الصمت أو الانتظار. لم يكن هناك تمسك بالمبدأ، بل براغماتية باردة تتجاهل فعل الغزو وتركز على مآلاته. حين تتعارض القيم مع المصالح، تسقط الأولى بلا ضجيج.

أما داخل فنزويلا، فقد كان الغياب العسكري هو العلامة الأخطر. عدم وجود مقاومة فعلية يفتح الباب أمام فرضية الانقلاب المدعوم، ويقدم درسًا قاسيًا لكل الأنظمة: الجيوش لا تحمي الرؤساء حين تتغير موازين القوة، بل قد تكون أول من يتخلى عنهم.

ما حدث في كاراكاس أسقط وهم تعددية الأقطاب في المجال الحيوي الأمريكي. واشنطن أكدت أنها ما تزال قادرة على فرض إرادتها دون تفويض دولي، بينما اكتفت القوى الصاعدة بالبيانات. تكتل يرفع شعار كسر الهيمنة، لكنه يعجز عن حماية حلفائه حين تتحول السياسة إلى قوة صلبة.

يبقى السؤال الجوهري معلقًا: هل صمت الغرب هو موافقة ضمنية على تغيير الأنظمة بالقوة، أم اعتراف بالعجز أمام واقع يفرضه من يملك السلاح والقرار؟ بعد كاراكاس، لم يعد هذا السؤال نظريًا، بل صار عنوان المرحلة القادمة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button