Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين العقل

مرثية .. وداعا يا عبد الهادي بلخياط

بقلم الاستاذ/ مولاي الحسن بنسيدي علي

في شبابه شغل الناس بغنائه وأدائه،
وبزغ نجمه عاليًا، فصار اسمه على كل الألسن،
وداع صيته في الأمصار،
وتُوِّج بكل الألقاب:
الفنان، الموسيقار، المطرب، محبوب الجماهير.
احتل مكانته في القلوب،
جالس الأمراء والملوك والرؤساء والمشاهير،
وجاب الدول، حتى عرفته القارات وعرفها.
غنّى من كلمات كبار الشعراء،
وأدّى من ألحانه وألحان ملحنين لا يُشقّ لهم غبار،
فأبدع وأمتع، وترك بصمته على مدى عقود من الزمن.
لم يكن صوتًا…
كان نداءً
يعبر من الأرض
إلى السماء.
عبد الهادي بلخياط،
حين غنّى
تمايلت القلوب،
وحين سكت
استيقظ القلب.
بدّل المقام بالمقام،
وخلع اللحن
كما يخلع العارفُ ظِلَّه،
ومضى خفيفًا
إلى حضرةٍ
لا تُقاس فيها الأصوات
بل النيّات.
ذابت الأغنية في الذكر،
فصار الصمتُ تسبيحًا،
والدمعةُ ميزانًا،
والسجودُ مسك الختام.
يا من عرفتَ الطريق
حين ضلّت الأضواء،
نمْ قرير العين،
فمن وجد الله
ما فقد شيئًا.

ثم شاء الله أن يتغيّر الحال،
من رجلٍ فَتَنَ الدنيا وافتتنت به،
إلى رجلٍ واعظٍ،
انسلخ عن ملذّاتها،
وأقبل على الله بقلبٍ خاشع.
كرّس ما تبقّى من عمره للوعظ والورع،
وللدعوة والإرشاد،
لا يبغي من الدنيا إلا قبولًا حسنًا من ربّ العزّة،
وحسن خاتمة على الإيمان،
ومغفرة لما مضى.
فاعتزل القصور والسرايا،
وترك لباس الحرير وموائد ما لذّ وطاب،
وارتدى البساطة،
وأطال لحيته فزادته وقارًا،
وأصبح لسانه لاهجًا بذكر الله،
محبًّا فيه وفي رسوله الكريم، مقتديًا به.
وهيأ الله له الأسباب وفتح بصيرته على طريق الصلاح، كما روى في أحد حواراته / زرت والدة صديق بالمستشفى من سنوات خلت فنظرت إلي وتلت على مسمعي من قوله تعالى/
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (س الحديد: 16)،
ٱية هزت كيانه وفاضت لها مقلتاه دمعا فكانت بداية هداية إلى طريق الهدى وانساق طواعية إلى نشر الدعوة
فاقتدى به شبابٌ وشيوخ،
ونهجوا نهجه،
حتى لقي الله بقلبٍ مؤمن ووجهٍ سليم.
فكانت جنازته مهيبة،
عيونٌ تبكيه،
وألسنةٌ تلهج بالدعاء له بالرحمة.
نشيّعه اليوم
والقلوب حزينة،
لكن مطمئنّة،
لأن من ختم حياته بالإيمان
لم يُهزم،
بل انتصر.
فنَمْ، يا حبيب الملايين، قريرَ العين،
وسلامٌ عليك
يوم غنيت،
ويوم أنبت،
ويوم لقيتَ ربك
بقلبٍ سليم.
نسأل الله تعالى
أن يتغمّدك بواسع رحمته،
وأن يجعل ما قدّمت من خير
في ميزان حسناتك،
وأن يلهم أهلك ومحبيك
الصبر والسلوان.
ويسكنك فسيح جناته

وداعا .. والعين تبكيك
يا عبد الهادي بلخياط.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button