أخبارالرئيسيةفي الصميم

المنصوري على رأس الحكومة..مليون منصب شغل أم مليون سؤال ينتظر الجواب؟

بقلم: حنان الطيبي

لم يعد أمام فاطمة الزهراء المنصوري، بعد تعيينها رئيسة للحكومة، متسع للاكتفاء بلغة الوعود الانتخابية. فقد انتقلت من موقع قيادة حزب يطلب ثقة الناخبين إلى موقع مسؤولية سياسية ستُقاس فيه الكلمات بما يتحقق على أرض الواقع. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي: كيف ستتحول الوعود إلى نتائج، ومن سيتحمل مسؤولية الإخفاق إن بقيت الأهداف حبيسة البرامج؟

حزب الأصالة والمعاصرة جعل من خلق مليون منصب شغل خلال الولاية المقبلة أحد أبرز التزاماته الانتخابية، إلى جانب الاستثمار في الصحة والتعليم وتحسين الأجور والحماية الاجتماعية. وهي أهداف تمس صميم الأزمة الاجتماعية التي يعيشها جزء واسع من المغاربة، لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة لا يمكن تجاوزها بالشعارات: ما القطاعات التي ستخلق هذه الوظائف؟ ما طبيعتها؟ كم منها سيكون مستقرا ويحفظ كرامة العامل؟ وكيف ستُموّل الالتزامات المعلنة؟

إن الحديث عن مليون منصب شغل ليس تفصيلا انتخابيا عابرا، بل التزام ثقيل أمام شباب يواجه صعوبة الولوج إلى سوق العمل، وأمام أسر تنتظر أن يتحول النمو الاقتصادي إلى فرص حقيقية، لا إلى أرقام لا تجد طريقها إلى حياتها اليومية. لذلك، فإن المسؤولية السياسية تقتضي نشر أهداف مرحلية واضحة، وتحديد عدد الوظائف المنتظر إحداثها كل سنة، وتقديم حصيلة قابلة للتحقق والمناقشة.

ولا يقل ملف القدرة الشرائية أهمية عن التشغيل. فالمواطن لا يقيس نجاح الحكومة بما تعلنه من نسب ومؤشرات فقط، بل بما يتبقى في جيبه بعد أداء مصاريف الغذاء والسكن والنقل والعلاج. وقد تسجل المؤشرات الاقتصادية تحسنا، بينما تظل أسرة محدودة الدخل عاجزة عن مواجهة نفقاتها الأساسية. هنا تظهر ضرورة ربط السياسات الاقتصادية بأثرها الاجتماعي، بدل الاكتفاء بعرض النتائج العامة من دون تفصيل انعكاساتها على الفئات المختلفة.

أما الصحة والتعليم، فهما اختبار آخر لمدى جدية الالتزامات. لا يكفي الإعلان عن الاستثمار في المستشفيات أو إصلاح المدرسة العمومية إذا ظل المواطن ينتظر موعدا طبيا طويلا، أو إذا بقيت جودة التعليم مرتبطة بقدرة الأسرة على تحمل نفقات إضافية. المطلوب ليس فقط ضخ الأموال، بل معرفة أين صُرفت، وما الذي تغير بفضلها، ومن يراقب جودة الخدمات المقدمة.

وباعتبارها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب، تحمل المنصوري أيضا رمزية سياسية وتاريخية مهمة. غير أن هذه الرمزية لا ينبغي أن تتحول إلى درع يحمي الحكومة من النقد، ولا إلى معيار وحيد للحكم على تجربتها. فالنساء والرجال الذين ينتظرون تحسنا في أوضاعهم الاجتماعية لن يلمسوا أثر التغيير بمجرد تسجيل سابقة في تاريخ المناصب، بل حين تصبح العدالة في الفرص والخدمات جزءا ملموسا من السياسات العمومية.

وفي المقابل، لا يجوز الحكم على الحكومة قبل أن تتشكل وتباشر عملها، أو تجاهل صعوبة الملفات الاقتصادية والاجتماعية وتداخل المسؤوليات والمؤسسات. لكن الاعتراف بالتحديات لا يعني منح المسؤولين شيكا على بياض. فمن حق الحكومة أن تطلب الوقت لتنفيذ برنامجها، ومن حق المواطنين أن يعرفوا ما الذي ستنجزه خلال هذا الوقت، وما الأولويات التي ستقدمها، وكيف ستفسر أي تأخر أو تراجع.

إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى علاقة جديدة بين السلطة التنفيذية والمواطن، تقوم على الوضوح لا على التسويق، وعلى الأرقام المعلنة القابلة للتحقق لا على التقديرات الفضفاضة. فكل وعد انتخابي كبير ينبغي أن يقابله جدول زمني، ومؤشرات قياس، وحصيلة دورية تتيح للبرلمان والإعلام والمجتمع متابعة التنفيذ ومساءلة المسؤولين.

في النهاية، لا يُقاس نجاح فاطمة الزهراء المنصوري بكونها أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة فحسب، ولا بحجم التوقعات التي رافقت تعيينها، بل بقدرة حكومتها على تحويل الالتزامات إلى تغيير ملموس في حياة المغاربة. فالمواطن لا يطلب المستحيل، بل يريد عملا يراه، وخدمة يحصل عليها، وفرصة لا تضيع، ومسؤولا يشرح له ما تحقق وما لم يتحقق.

مليون منصب شغل رقم معلن، لكن قيمته الحقيقية لن تظهر في الخطابات، بل في عدد المغاربة الذين سيجدون عملا فعليا. وعندها فقط ستتحول الوعود من مادة انتخابية إلى حصيلة سياسية قابلة للمحاسبة.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button