صباح مغربي تُكتب فيه الثقة من جديد

ليس من قبيل الصدفة أن تتقاطع عناوين الصحف الإلكترونية هذا الصباح عند ثلاثية واضحة: الماء، الدولة، والناس. فالمغرب، وهو يودّع سنوات من القلق المناخي والضغوط الاقتصادية، يبدو وكأنه يستعيد توازنه على أكثر من واجهة، في لحظة كثيفة الدلالات.
أولًا، العفو الملكي بمناسبة ذكرى وثيقة المطالبة بالاستقلال لا يُقرأ فقط في رقمه (1386 مستفيدًا)، بل في رمزيته السياسية والإنسانية. فالعفو هنا ليس إجراءً إداريًا، بل رسالة متجددة مفادها أن الدولة، وهي تمضي في الإصلاح والحزم، لا تنسى أن باب الرحمة يظل مفتوحًا. إنه تذكير بأن الاستقلال لم يكن حدثًا تاريخيًا فقط، بل مسارًا أخلاقيًا مستمرًا.
ثانيًا، الانتعاش المائي ليس مجرد خبر طقس سار. حين تمتلئ عشرة سدود عن آخرها، وحين تعود الثلوج لتغذية الفرشات بعد سبع سنوات من الجفاف، فنحن أمام ما يشبه “استراحة وطنية” من القلق. الماء هنا ليس فقط موردًا طبيعيًا، بل رافعة أمل فلاحي واجتماعي، ورسالة صامتة بأن الرهان على الجبال والتهيئة المائية كان خيارًا استراتيجيًا صائبًا، لا ترفًا تنمويًا.
وفي موازاة ما تمنحه السماء، تتحرك الأرض بثبات. فـالدبلوماسية ذات البعد الإنساني التي تجسدت في العشاء الخيري الدبلوماسي برئاسة الأميرة للا حسناء، تعكس وجهًا آخر للقوة الناعمة المغربية: دبلوماسية لا تكتفي بالمواقف، بل تُترجمها إلى فعل تضامني راقٍ، يزاوج بين البروتوكول والإنسان.
اقتصاديًا، يبدو أن المغرب يجني ثمار صبره الصناعي. مليون سيارة في سنة واحدة ليس رقمًا عابرًا، بل إعلان دخول نادي الكبار إفريقيًا، وربما تمهيدًا لمرحلة تنافسية أوسع. فالريادة الصناعية هنا لم تأتِ من فراغ، بل من رؤية استثمرت في الموقع، واليد العاملة، والاندماج العالمي.
أما الإصلاح الجبائي والرقمنة، فهما الوجه الأقل إثارة إعلاميًا، لكنه الأكثر تأثيرًا على المدى المتوسط. التبليغ الضريبي عبر البريد الإلكتروني ليس مجرد إجراء تقني، بل خطوة في معركة طويلة ضد الريع والتهرب، ورسالة بأن الدولة الحديثة لا تُدار بالورق وحده.
وأخيرًا، “كان 2025”… أكثر من 1,1 مليون متفرج حتى ربع النهائي، ليسوا فقط عشاق كرة القدم، بل شهودًا على قدرة المغرب على تحويل الرياضة إلى حدث وطني جامع، واقتصادي وسياحي في آن واحد. المدرجات الممتلئة تقول ما لا تقوله البلاغات: حين تتوفر الثقة، يحضر الناس.
خلاصة هذا الصباح؟
المغرب يعيش لحظة تقاطُع إيجابي: سماء كريمة، دولة مبادِرة، ومجتمع متفاعل. وهي لحظة نادرة لا ينبغي الاكتفاء بالاحتفاء بها، بل البناء عليها… لأن الأوطان لا تتقدم بالأخبار السارة وحدها، بل بحسن استثمارها.



