أخبارالرئيسيةفي الصميم

أزمة الانتخابات في المغرب لا تبدأ يوم الاقتراع..بل يوم التزكية

بقلم: زهير أصدور*

كلما اقترب موعد الانتخابات، انشغل الجميع بالحديث عن نزاهة الاقتراع وشفافية الفرز وسلامة النتائج. غير أن السؤال الذي يظل غائبا عن النقاش العمومي هو: من اختار المرشحين الذين سيعرضون على المواطنين أصلا؟ فالديمقراطية لا تختزل في صندوق اقتراع، بل تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ يوم تتحول بعض المكاتب الحزبية ولجان الترشيحات إلى مصانع حقيقية لإنتاج النخب السياسية، وتوزيع بطاقات العبور إلى البرلمان والجماعات الترابية والجهات.

لقد نجح المغرب خلال العقود الأخيرة في تطوير جزء مهم من منظومته الانتخابية، لكن المعضلة الكبرى لم تعد تكمن فقط في القوانين الانتخابية، بل في الحلقة التي تسبقها: حلقة التزكية الحزبية.ذلك أن المرشح لا يسقط من السماء، ولا يولد داخل صندوق الاقتراع. إنه نتاج قرار حزبي سابق، ونتيجة عملية انتقاء يفترض أن تكون محكومة بالكفاءة والاستحقاق والنزاهة. غير أن الواقع يفرض أحيانا أسئلة محرجة حول المعايير الحقيقية التي تتحكم في صناعة المرشحين.فهل تمنح التزكيات للأكثر كفاءة؟ أم للأكثر قربا من دوائر القرار؟ هل يفوز بها أصحاب المسار النضالي؟ أم أصحاب النفوذ الانتخابي؟ هل تحكمها المؤسسات؟ أم تحكمها العلاقات؟هذه الأسئلة لا تستهدف حزبا بعينه، لأن الظاهرة تتجاوز التنظيمات السياسية وتكاد تتحول إلى إشكال بنيوي يطرح نفسه بدرجات متفاوتة داخل عدد من الأحزاب.

والأخطر من ذلك أن بعض لجان الترشيحات التي يفترض أن تكون حكما بين المتنافسين تتحول أحيانا إلى طرف في التنافس نفسه. فكيف يمكن إقناع المناضلين بعدالة القرار إذا كان بعض من يتخذونه تربطهم علاقات قرابة أو مصالح أو ولاءات مباشرة بأحد المرشحين المحتملين؟في كل الديمقراطيات الحديثة توجد قواعد لتدبير تضارب المصالح. القاضي يتنحى إذا وجدت شبهة تمس حياده. والمسؤول العمومي يصرح بمصالحه. والشركات الكبرى تفرض على مجالسها آليات صارمة للحكامة. وحدها بعض الأحزاب لا تزال تتعامل مع التزكية وكأنها شأن داخلي معفى من كل قواعد الشفافية.

لكن أكثر الملفات حساسية يظل مرتبطا باللوائح الجهوية المخصصة للنساء.فقد جاءت هذه الآلية أصلا لتصحيح اختلال تاريخي في التمثيلية السياسية النسائية، ولإفساح المجال أمام الكفاءات النسائية لولوج المؤسسات المنتخبة. غير أن ما وقع في بعض التجارب الحزبية جعل النقاش ينتقل من الدفاع عن مبدأ التمثيلية إلى التساؤل حول كيفية تدبير التزكيات داخل هذه اللوائح.

لقد أصبحت اللائحة الجهوية، في نظر كثير من المتابعين، إحدى أكثر محطات التزكية إثارة للجدل داخل الأحزاب. ليس بسبب النساء، وليس بسبب مبدأ التمييز الإيجابي، وإنما بسبب من يحتكر سلطة الاختيار والترتيب والحسم.

فحين تتركز سلطة التزكية داخل دوائر ضيقة، وحين تصبح بعض المقاعد موضوع صراع بين شبكات النفوذ الانتخابي، يفقد النقاش جوهره الحقيقي. فلا يعود السؤال: من هي الأكفأ؟ بل يصبح: من الأقرب؟ ومن الأوفر حظا؟ ومن يحظى بالدعم داخل مراكز القرار؟وهنا تتحول آلية وضعت لتوسيع الديمقراطية إلى موضوع للتشكيك في الديمقراطية نفسها.

إن الخطر الحقيقي الذي يواجه الأحزاب السياسية اليوم ليس ضعف المشاركة الانتخابية فقط، ولا تراجع الثقة في المؤسسات فحسب، بل فقدان الثقة في آليات إنتاج النخب داخل الأحزاب ذاتها.فالناخب الذي يشك في طريقة اختيار المرشح سيشك تلقائيا في المؤسسة التي أوصلته، مهما كانت نتائج الاقتراع نزيهة.

لهذا فإن إصلاح الحياة السياسية لا يبدأ بتعديل القوانين الانتخابية فقط، ولا بإعادة رسم الدوائر الانتخابية، ولا بمراجعة أنماط الاقتراع، بل يبدأ من سؤال أكثر بساطة وأكثر إزعاجا:من يختار المرشحين؟لأن الديمقراطية قد تموت أحيانا قبل أن تصل إلى صندوق الاقتراع.وقد تبدأ الأزمة الحقيقية يوم تمنح التزكية، لا يوم تعلن النتائج.

*رئيس التكتل الديمقراطي المغربي

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button