عبد الهادي بلخياط..غنّى بصدق و وعظ بالإيمان
رحل عبد الهادي بلخياط، وترك خلفه صمتًا أثقل من الحزن نفسه. دفن أمس السبت في الدار البيضاء، لكن صوته ما زال يتردد في ذاكرة المغاربة، كأن الوطن كله وقف دقيقة صمت على رجل لم يكن مجرد فنان، بل وجدانًا جمع بين الفن والإيمان، بين النغمة والرسالة، بين الحضور الإنساني والسمو الروحي.
برحيله، لا نفقد فقط صاحب “القمر الأحمر” و”يا بنت الناس”، و”المنفرجة”، بل نفقد آخر رموز جيلٍ غنّى بصدق، دون بهرجة ولا تصنّع. جيلٌ كان الفن عنده التزامًا، لا مهنة. كان عبد الهادي بلخياط مدرسة في الإحساس، وصوتًا يقطر دفئًا وصدقًا، يلامس القلب دون أن يطلب الإذن.
الفنان الراحل عبد الهادي بلخياط كما قال جلالة الملك محمد السادس..”قامة فنية وطنية يعز مثيلها”، وهو يبعث ببرقية تعزية لأسرة المرحوم ومحبيه، مؤكدا جلالته،” أن رحيل الفنان الكبير عبد الهادي بلخياط، خسارة فادحة ليس لأسرته، فحسب، وإنما لسائر أسرته الفنية الوطنية والعربية، ولكل الأجيال التي استمتعت ولازالت تستمتع بما أبدعه من روائع طربية ستظل خالدة في وجدان وذاكرة محبيه وعشاق الطرب المغربي الأصيل”.

في سنواته الأخيرة، اختار الصمت الطوعي، وابتعد عن الأضواء ليقترب من الله، فصار الواعظ الذي يذكّر الناس بأن الفن يمكن أن يكون طريقًا إلى النور، لا إلى الغرور. لم يكن اعتزاله انسحابًا، بل استمرارًا في العطاء، ولكن بلغة أخرى، أكثر صفاءً وعمقًا.
الذين عرفوه عن قرب يقولون إنه كان متواضعًا إلى حدّ الذهول، بسيطًا في حياته، كبيرًا في أثره. لم يكن يملك سوى صوته وإيمانه، ومع ذلك، كان أغنى من كثيرين ممن يملكون الدنيا ولا يملكون المعنى.
الدار البيضاء ودّعته في جنازة مهيبة، امتزج فيها الدعاء بالدموع. كان المشهد مؤلمًا وجميلًا في آنٍ واحد: فنانٌ عاش محبوبًا، ورحل مكرّمًا، تاركًا خلفه إرثًا من النقاء في زمنٍ تلوث فيه كل شيء.
رحيل عبد الهادي بلخياط ليس مجرد خبر وفاة، بل نهاية فصل من ذاكرة المغرب الجميلة. كان صوته مرآة لزمنٍ كانت فيه الأغنية المغربية تصنع الوجدان، لا تستهلكه. واليوم، ونحن نودّعه، ندرك أن بعض الأصوات لا تموت، لأنها ببساطة جزء من روح هذا الوطن.
سلامٌ على عبد الهادي بلخياط، الفنان الذي علّمنا أن الفن يمكن أن يكون عبادة، وأن الفن حين يكون صادقًا، لا يشيخ ولا يُنسى.



