Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

بين خطاب تخليق الحياة السياسية وممارسة الأحزاب.. أين يتعثر مسار تجديد النخب؟

بقلم: الحسن سنداني
رغم الرسائل الواضحة والمتكررة التي شدّد عليها الخطاب الملكي بخصوص تخليق الحياة السياسية، وربط المسؤولية بالكفاءة، وتكريس مبدأ تجديد النخب السياسية بما يضمن فعالية أكبر في تدبير الشأن العام، إلا أن الواقع الحزبي ما زال يطرح إشكالات عميقة حول مدى تفاعل الفاعلين السياسيين مع هذه التوجيهات على مستوى الممارسة الفعلية.
فالخطاب الرسمي لم يترك مجالاً للالتباس، إذ دعا بوضوح إلى القطع مع منطق إعادة إنتاج نفس النخب، وتجاوز الاعتبارات الضيقة التي تُضعف جودة التمثيلية السياسية، مع ضرورة تقديم كفاءات قادرة على تحمل المسؤولية ومواكبة التحولات التنموية والمؤسساتية التي تعرفها البلاد.
غير أن قراءة المشهد الحزبي، خاصة خلال مختلف المحطات الانتخابية، تكشف استمرار فجوة بين الخطاب والممارسة، حيث تطغى الحسابات الانتخابية الضيقة في كثير من الأحيان على منطق الكفاءة والاستحقاق.
وبحكم كوني ناشطاً سياسياً وكاتب رأي وجمعوياً، فقد أتيحت لي فرصة عقد لقاءات مع عدد من المنتخبين ومنسقي وأمناء الأحزاب، وهو ما أتاح لي ملامسة جزء من الواقع الحزبي عن قرب.

وقد خلصت من خلال هذه التفاعلات إلى أن عدداً كبيراً من الأحزاب، باستثناء بعض التشكيلات الصغيرة محدودة الحضور السياسي، لا تجعل من الكفاءة معياراً حاسماً في اختيار مرشحيها، بقدر ما يهيمن منطق المقعد الانتخابي والاعتبارات المالية وحسابات النفوذ. وهو ما يساهم في إعادة إنتاج نفس البنيات والوجوه داخل المشهد السياسي.


هذا الواقع يكرّس منطق “الانتخابات أولاً” بدل “الكفاءة أولاً”، حيث تُمنح الأولوية للقدرة على الفوز أو تعبئة الأصوات، أكثر من القدرة على التسيير أو تقديم القيمة المضافة في تدبير الشأن العام. ونتيجة لذلك، يتم في كثير من الحالات إعادة تدوير نفس الأسماء السياسية، مع تغييرات شكلية لا تمس جوهر النخب.
كما أن هذا الإشكال لا يمكن فصله عن البنية الداخلية للأحزاب نفسها، التي تعاني في جزء كبير منها من ضعف الديمقراطية الداخلية، وتركيز القرار في دوائر محدودة، وغياب آليات شفافة لاختيار المرشحين، إضافة إلى استمرار تأثير الوساطة الانتخابية على حساب التأطير السياسي الحقيقي.
وفي المقابل، يجد المواطن نفسه أمام مشهد سياسي يتكرر فيه نفس الفاعلين ونفس الخطابات ونفس الوعود، ما يعمّق من حالة فقدان الثقة، ويغذي مظاهر العزوف السياسي، ويضعف منسوب المشاركة في الحياة العامة.
إن الإشكال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بسوء فهم الرسائل الإصلاحية، بل يطرح أيضاً سؤال الإرادة السياسية داخل الأحزاب نفسها، ومدى استعدادها للانتقال من منطق تدبير التوازنات الداخلية إلى منطق إنتاج النخبة الكفؤة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن تخليق الحياة السياسية يظل مساراً مؤسساتياً وثقافياً ممتداً، غير أن نجاحه يظل رهيناً بمدى قدرة الأحزاب على تحويل التوجيهات الكبرى إلى ممارسات تنظيمية ملموسة، تعيد الاعتبار للكفاءة، وتضع حداً لمنطق إعادة إنتاج نفس النخب، بما يضمن تعزيز الثقة في الفعل السياسي ومخرجاته.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button