
الحدث الافريقي- مروة كريم
كلما اقترب موعد الانتخابات، عاد المشهد السياسي إلى عادته القديمة: ضجيجٌ يطغى على النقاش الحقيقي، وتأويلات تتقدم على الوقائع، وأسماءٌ تتصدر العناوين أكثر من البرامج. وبينما ينتظر المواطن إجابات عن قضاياه اليومية، تنشغل بعض الأصوات بصناعة معارك جانبية، وكأن الانتخابات تُحسم بالأشخاص لا بصناديق الاقتراع.
خلال الأسابيع الأخيرة، برز خطاب يعتبر أن انضمام فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة كفيل بحسم نتائج الاستحقاقات المقبلة، وأن المنافسة الديمقراطية أصبحت مجرد شكل. غير أن هذا الطرح يثير سؤالًا مشروعًا: إذا كانت نتائج الانتخابات تُحسم مسبقًا، فكيف أفرزت انتخابات 2011 و2016 نتائج خالفت كثيرًا من التوقعات، في وقت كانت فيه أطراف سياسية تتحدث هي الأخرى عن موازين قوى تبدو محسومة؟.
التجربة السياسية المغربية أظهرت أكثر من مرة أن الناخب قادر على قلب الحسابات، وأن صناديق الاقتراع لا تخضع لمنطق الإشاعات أو الحملات الرقمية، بل لما يقتنع به المواطن يوم التصويت.
واللافت اليوم أن النقاش السياسي ينزلق، مرة أخرى، نحو الأشخاص بدل الحصيلة. فبدل أن تقدم الأحزاب كشفًا واضحًا بما أنجزته، أو تشرح للمواطن كيف ستعالج الإكراهات الاقتصادية والاجتماعية، يتحول الجدل إلى أسماء بعينها، في محاولة لصرف الأنظار عن السؤال الجوهري: ماذا تحقق عندما كانت هذه الأحزاب في موقع المسؤولية؟.
فالعديد من الفاعلين السياسيين الذين يوجهون الانتقادات اليوم سبق لهم أن شاركوا في حكومات متعاقبة، وبعضهم قاد السلطة التنفيذية لولايتين كاملتين. ومن الطبيعي، في منطق المحاسبة الديمقراطية، أن تُناقش حصيلة الجميع بالمعايير نفسها، بعيدًا عن الانتقائية أو المزايدات.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح على كل حزب ليس: من التحق به؟ بل: ما الذي أنجزه عندما مُنح ثقة المواطنين؟.
المغاربة اليوم لا يبحثون عن معارك إعلامية جديدة، بل عن حلول عملية لارتفاع كلفة المعيشة، وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة التعليم، وتطوير الخدمات الصحية، وتعزيز الاستثمار، واستعادة الثقة في المؤسسات.
فالسياسة تُقاس بما تحققه من نتائج، لا بما ترفعه من شعارات. والمنافسة الديمقراطية لا تُبنى على التخويف أو الأحكام المسبقة، وإنما على حق الجميع في التنافس، وحق المواطنين في الاختيار الحر على أساس الحصيلة والبرنامج.
لقد تغير الناخب المغربي، وأصبح أكثر قدرة على التمييز بين الخطاب والإنجاز، وبين الوعود المتكررة والنتائج الملموسة. لذلك، فإن الرهان الحقيقي في أي استحقاق انتخابي لن يكون اسمًا بعينه، ولا ضجةً على مواقع التواصل الاجتماعي، بل قدرة كل حزب على إقناع المواطنين بأنه يستحق تجديد الثقة.
وفي النهاية، يبقى الحكم الوحيد الذي لا يقبل التأويل هو حكم الناخب. فعندما يقف المواطن أمام صندوق الاقتراع، لن يصوت للشائعات، ولن يمنح صوته للعناوين المثيرة، بل سيقارن بين الوعود والحصيلة، وبين الخطاب والواقع. وهناك فقط، تُحسم الانتخابات.



