الأمن الطاقي في إفريقيا..معركة السيادة في زمن الأزمات العالمية

الفصل الثاني: إفريقيا..قارة غنية بالطاقة لكنها فقيرة في الاستفادة منها
الحدث الافريقي- عبد السلام العزوزي
إذا كانت الجغرافيا هي التي ترسم خرائط الثروات، فإن إفريقيا تبدو واحدة من أكثر القارات حظًا. فمن شواطئ خليج غينيا إلى صحاري شمال القارة، ومن سواحل المحيط الهندي إلى أحواض الكونغو، تختزن الأرض الإفريقية موارد طاقية هائلة جعلتها محط أنظار القوى الاقتصادية الكبرى لعقود طويلة. غير أن المفارقة التي لا تخطئها العين تكمن في أن هذه الوفرة الطبيعية لم تنعكس بالقدر نفسه على حياة ملايين الأفارقة.
تشير تقديرات مؤسسات دولية متخصصة إلى أن إفريقيا تمتلك نحو 8 في المائة من احتياطيات النفط العالمية، وما يقارب 7 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، إلى جانب احتياطيات ضخمة من الفحم والمعادن الاستراتيجية اللازمة للتحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر. كما تتمتع القارة بأعلى معدلات الإشعاع الشمسي في العالم تقريبًا، وبإمكانات هائلة في طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والطاقة الحرارية الأرضية، ما يجعلها واحدة من أكثر مناطق العالم تنوعًا في مصادر الطاقة.
لكن، في المقابل، لا يزال أكثر من 600 مليون إفريقي يفتقرون إلى الكهرباء، فيما يعتمد ملايين آخرون على الحطب والفحم النباتي ووسائل تقليدية للطهي والتدفئة، بما يحمله ذلك من آثار صحية وبيئية واقتصادية. وتكشف هذه الأرقام أن المشكلة ليست في ندرة الموارد، بل في كيفية إدارتها واستثمارها.
النفط… ثروة تصنع الاقتصادات ولا تصنع التنمية دائمًا
على امتداد العقود الماضية، برزت دول مثل نيجيريا، وأنغولا، والجزائر، وليبيا بين كبار منتجي النفط في القارة، بينما دخلت دول أخرى، مثل السنغال وأوغندا، نادي المنتجين خلال السنوات الأخيرة، مع توقعات بانضمام دول جديدة بفضل الاكتشافات الحديثة.
غير أن تصدير النفط الخام ظل، في كثير من الحالات، هو الحلقة الأقوى في سلسلة القيمة، بينما بقيت حلقات التكرير والصناعات البتروكيميائية والتصنيع المحلي محدودة. ونتيجة لذلك، تجد بعض الدول المنتجة نفسها مضطرة إلى استيراد الوقود المكرر بأسعار مرتفعة، رغم أنها تصدر ملايين البراميل من النفط الخام سنويًا.
وتكشف هذه المفارقة عن أحد أبرز مواطن الضعف في المنظومة الطاقية الإفريقية، حيث لم يواكب الاستثمار في المصافي والبنية الصناعية وتطوير سلاسل القيمة حجم الثروات المستخرجة من باطن الأرض.
الغاز الطبيعي… ثروة تعيد رسم الخريطة
ولم تعد هذه المشاريع ذات أهمية محلية فحسب، بل اكتسبت بعدًا جيوسياسيًا مع سعي أوروبا إلى تنويع مصادر إمداداتها عقب الحرب الروسية الأوكرانية. وهكذا تحولت السواحل الإفريقية إلى فضاء تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات الإستراتيجية، وأصبحت القارة لاعبًا متزايد الأهمية في سوق الغاز العالمي.
خلال العقد الأخير، أصبح الغاز الطبيعي عنوانًا جديدًا للتحولات الاقتصادية في إفريقيا. فقد شهدت موزمبيق اكتشافات ضخمة على سواحلها، بينما عززت مصر مكانتها بعد تطوير حقل “ظهر”، وبرزت السنغال وموريتانيا كمصدرين واعدين بفضل مشروعهما المشترك للغاز البحري.
معادن المستقبل… كنز تحت أقدام إفريقيا
إذا كان النفط هو وقود القرن العشرين، فإن الكوبالت والليثيوم والغرافيت والمنغنيز والنيكل أصبحت توصف اليوم بأنها وقود الثورة الصناعية الجديدة.
وتستحوذ جمهورية الكونغو الديمقراطية على النسبة الأكبر من الإنتاج العالمي للكوبالت، فيما تمتلك زيمبابوي وناميبيا ومالي احتياطيات مهمة من الليثيوم، وتبرز جنوب إفريقيا والغابون في إنتاج المنغنيز، بينما تزخر دول أخرى بمعادن تدخل في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية وتقنيات تخزين الطاقة.
غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بحجم هذه الثروات، بل بموقع إفريقيا داخل سلسلة القيمة العالمية. فحتى الآن، لا تزال غالبية هذه المعادن تُصدر خامًا أو في مراحل أولية من المعالجة، بينما تتركز الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة في دول أخرى، وهو ما يحرم الاقتصادات الإفريقية من فرص استثمارية وصناعية ووظيفية كبيرة.
الطاقات المتجددة… فرصة لا تزال في بدايتها
في الوقت الذي يتسارع فيه التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، تمتلك إفريقيا فرصة استثنائية لإعادة صياغة مستقبلها الطاقي.
فالمغرب أصبح من أبرز المستثمرين في الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، بينما رسخت كينيا مكانتها كواحدة من الدول الرائدة عالميًا في استغلال الطاقة الحرارية الأرضية. كما توسع مصر وجنوب إفريقيا وناميبيا برامجها في الطاقات المتجددة، في وقت تشهد فيه دول عديدة اهتمامًا متزايدًا بمشروعات الربط الكهربائي الإقليمي.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن مساهمة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة الإفريقي ما تزال دون الإمكانات المتاحة، بسبب تحديات التمويل، ونقل التكنولوجيا، وضعف شبكات النقل والتوزيع، إضافة إلى التفاوت الكبير بين الدول في القدرات المؤسسية والاستثمارية.
لماذا لا تتحول الثروة إلى قوة؟
يكمن جوهر المشكلة في أن إفريقيا لم تنجح، حتى الآن، في بناء منظومة طاقية متكاملة تربط بين الاستخراج والتصنيع والابتكار والتوزيع. كما أن ضعف البنية التحتية، ومحدودية شبكات الكهرباء العابرة للحدود، والتقلبات السياسية في بعض المناطق، ونقص الاستثمارات طويلة الأجل، كلها عوامل حدّت من قدرة القارة على الاستفادة الكاملة من مواردها.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فإطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، والتوسع في مشاريع الربط الكهربائي وأنابيب الغاز، وتزايد الاهتمام بالتصنيع المحلي، كلها مؤشرات توحي بأن القارة بدأت تدرك أن الثروة الطبيعية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لبناء النفوذ، ما لم تتحول إلى قاعدة للإنتاج والمعرفة والتكامل الاقتصادي.
تمهيد للفصل الثالث
إذا كان الفصل الثاني قد كشف مفارقة الثروة غير المستثمرة، فإن الفصل الثالث سينتقل إلى سؤال أكثر عملية: كيف بدأت بعض الدول الإفريقية في إعادة بناء مفهوم الأمن الطاقي؟
سنرصد تجارب المغرب، وجنوب إفريقيا، ومصر، ونيجيريا، والسنغال، وموريتانيا، وموزمبيق، وكينيا، لنفهم كيف تتحول السياسات الوطنية إلى أدوات لتعزيز السيادة الاقتصادية، وما الدروس التي يمكن أن تستفيد منها بقية دول القارة.



