سلسلة..البوليساريو من الزملة إلى الزويرات6/7

من السجن إلى الانشقاق… البشير الدخيل يتهم إبراهيم غالي باعتقال المؤسسين ويكشف تفاصيل المواجهة التي غيرت تاريخ البوليساريو.”
الحدث الافريقي- عبد السلام العزوزي
ليست كل الشهادات سواء، فبعضها يعيد سرد الوقائع، بينما يهز بعضها الآخر ملفات ظلت لعقود حبيسة الكواليس. وهذا ما فعله البشير الدخيل، أحد الأسماء المؤسسة لجبهة البوليساريو، حين خرج في حوار مطول ليروي تفاصيل يعتبرها الأقرب إلى “الصندوق الأسود” لنشأة الجبهة، مقدماً رواية مختلفة عن السردية التي تبنتها قيادتها منذ أكثر من نصف قرن.
وعلى امتداد أكثر من ساعة ونصف من الحوار، على قناة “الشرعي بودكاست”، تنقل الدخيل بين محطات التأسيس الأولى، والخلافات الداخلية، وعلاقته بالرئيس الراحل هواري بومدين والعقيد الليبي معمر القذافي، وصولاً إلى اتهامات غير مسبوقة وجهها للقيادة الحالية للجبهة، وعلى رأسها إبراهيم غالي، الذي لم يتردد في وصفه بأنه “خان رفاقه” وتحول، وفق روايته، إلى أداة لتنفيذ السياسات الجزائرية داخل التنظيم.
الحلقة السادسة:
بعد أن تحدث في الحلقة السابقة عن ما يعتبره بداية انتقال القرار داخل جبهة البوليساريو إلى دائرة النفوذ الجزائري، يواصل البشير الدخيل، أحد مؤسسي الجبهة، كشف تفاصيل ما يصفها بأخطر مرحلة في تاريخ التنظيم، وهي المرحلة التي يقول إنها شهدت انقلابًا على المؤسسين، وتحول الخلاف السياسي إلى اعتقالات وملاحقات داخلية.
وفي واحدة من أكثر فقرات شهادته إثارة، يوجه الدخيل اتهامات مباشرة إلى القيادة التي صعدت بعد تلك المرحلة، وعلى رأسها إبراهيم غالي، معتبرًا أن ما وقع لم يكن مجرد خلاف تنظيمي، بل بداية مرحلة جديدة قامت – بحسب روايته – على الإقصاء والعنف.
كنا نحن المؤسسين..فإذا بنا نصبح المطلوبين
يستعيد الدخيل تلك الأيام قائلاً إن المفارقة الكبرى كانت أن الذين أسسوا التنظيم، وحملوا السلاح في بداياته، تحولوا فجأة إلى متهمين داخل الجبهة نفسها.
ويضيف أن عدداً من أعضاء اللجنة العسكرية وجدوا أنفسهم ملاحقين بعد تمسكهم بإعادة الولي مصطفى السيد إلى موقعه القيادي، معتبراً أن مجرد الدفاع عن “الشرعية التنظيمية” أصبح سبباً كافياً لاستهدافهم.
ويقول إن كثيرين لم يصدقوا ما كان يحدث، لأن الصراع لم يعد مع الخصوم خارج الجبهة، بل أصبح داخلها.
ألقوا بنا في جبال تندوف
وفي أكثر المقاطع تأثيراً، يروي الدخيل تفاصيل اعتقاله رفقة عدد من رفاقه. ويقول إنهم قُيدوا ونُقلوا في سيارة عسكرية نحو منطقة جبلية معزولة بضواحي تندوف، قبل أن يُتركوا هناك في ظروف قاسية، دون ماء أو مؤونة كافية.
ويضيف أن المجموعة كانت تضم خمسة من الشباب الذين شاركوا في تأسيس الجبهة، وأنهم اعتقدوا في تلك اللحظات أن نهايتهم قد اقتربت.
ويؤكد أن نجاتهم جاءت، بحسب روايته، بفضل راعٍ للغنم صادف وجوده في المنطقة وساعدهم على الخروج من ذلك المكان، في حادثة يقول إنها ما تزال راسخة في ذاكرته حتى اليوم.
اتهام مباشر لإبراهيم غالي
وفي أخطر ما جاء في شهادته، يوجه الدخيل اتهاماً مباشراً لإبراهيم غالي. ويقول إن السيارة التي أقلتهم إلى مكان الاحتجاز كان يقودها غالي بنفسه، مضيفاً أن الأخير كان جزءاً من المجموعة التي أشرفت على اعتقالهم.
ويروي أن غالي قال لهم، قبل مغادرته المكان، عبارة بالإسبانية معناها: “أنا آسف“، قبل أن يتركهم في الجبل. ويشدد الدخيل على أن هذه الواقعة شكلت بالنسبة إليه لحظة انهيار كل روابط الثقة التي كانت تجمع المؤسسين.
خان أصدقاءه قبل أن يخون القضية
وعندما سُئل خلال المقابلة إن كان يعتبر إبراهيم غالي “خائناً”، تجنب الدخيل في البداية استخدام الوصف، قبل أن يعود ويقول إن غالي “خان أصدقاءه”، مضيفاً أنه مسؤول – بحسب روايته – عن ممارسات أضرت بالمؤسسين وبمسار الجبهة.
ويذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن الرجل تحول إلى رمز لمرحلة مختلفة تماماً عن المشروع الذي انطلق سنة 1973.
وهذه التصريحات تعبر عن رأي الدخيل الشخصي، بينما تنفي قيادة البوليساريو الاتهامات الموجهة إليها، وتؤكد روايتها الخاصة بشأن تاريخ الجبهة ومسارها.
قتلوا المؤسسين..وصنعوا قيادة جديدة
ويرى الدخيل أن ما جرى خلال النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي لم يكن مجرد تغيير في الأشخاص، بل تغيير في طبيعة التنظيم نفسه.
ويقول إن عدداً من المؤسسين تعرضوا للاعتقال أو التصفية أو التهميش، بينما صعدت أسماء جديدة إلى الواجهة بدعم جزائري، وفق روايته.
ويضيف أن القيادة الجديدة أصبحت، في نظره، أكثر ارتباطاً بالأجهزة الجزائرية من ارتباطها بالقواعد التي أنشأت الجبهة.
منظمة تحرر..أم جهاز للترهيب؟
وفي تقييمه لتلك المرحلة، يقول الدخيل إن البوليساريو بدأت، منذ سنة 1975، تفقد تدريجياً خصائص حركة التحرر التي شارك في تأسيسها.
ويعتبر أن مناخ الخوف، وإقصاء المخالفين، والاعتقالات الداخلية، غيّرت طبيعة التنظيم بالكامل.
ويرى أن هذه الممارسات كانت السبب الرئيسي في خروج عدد من المؤسسين من الجبهة، وفي بروز انشقاقات لاحقة استمرت لسنوات.
تحدٍّ علني لإبراهيم غالي
وفي نهاية حديثه، يوجه البشير الدخيل تحدياً مباشراً إلى إبراهيم غالي. ويقول إنه مستعد لمناظرة علنية معه أمام أي وسيلة إعلام، مؤكداً أنه سيقدم ما يعتبرها أدلة ووثائق تدعم روايته للأحداث.
وأضاف أن هدفه، كما يقول، ليس تصفية حسابات شخصية، بل “كشف حقيقة ما جرى داخل البوليساريو منذ سنواتها الأولى”، وفق تعبيره.
ذاكرة لا تزال مفتوحة
وبين تفاصيل الاعتقالات، والانشقاقات، وصراع القيادات، تبدو شهادة البشير الدخيل محاولة لإعادة كتابة مرحلة تأسيس البوليساريو من زاوية أحد أبرز الذين شاركوا في صناعتها قبل أن يغادروها.
يتبع… في الحلقة السابعة والأخيرة
المسيرة الخضراء، مخيمات تندوف، ومستقبل النزاع… كيف يرى البشير الدخيل نهاية قضية الصحراء؟ ولماذا يؤكد أن الحل يبدأ من الجزائر؟“



