الدكتورة نجيمة طاي طاي تنعي وفاة الحاج ياسين الركراكي..سفير الحكاية وشيخ الرواة

فقدت الساحة الثقافية المغربية أحد أبرز رموزها في فن الحكاية الشعبية، بوفاة الحاج ياسين الركراكي، المعروف بلقب “القرع”، عن عمر ناهز 105 أعوام، بعد مسيرة امتدت لأكثر من قرن، كرّس خلالها حياته لخدمة التراث الشفهي المغربي وصون ذاكرة الحلقة والحكاية.
ويُعد الراحل من أشهر رواة الحكاية الشعبية بالمغرب، إذ ارتبط اسمه لعقود طويلة بساحة باب الأحد بمدينة الرباط، حيث كان يجتمع حوله الجمهور للاستماع إلى قصصه وحكاياته التي مزج فيها بين الفكاهة والحكمة والقيم الاجتماعية، ليصبح أحد أبرز الوجوه التي حافظت على تقاليد الحلقة باعتبارها جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية المغربية.
كما كان الحاج ياسين الركراكي من الأسماء البارزة في المهرجان الدولي “مغرب الحكايات”، الذي شارك في فعالياته لأكثر من خمسة وعشرين عامًا، وظل يترقب موعده السنوي بشغف كبير، مؤمنًا بأن الحكاية ليست مجرد وسيلة للتسلية، بل رسالة ثقافية وتربوية تحفظ الذاكرة الجماعية وتنقلها بين الأجيال.
وخلال مسيرته، حظي الراحل بتقدير واسع داخل الأوساط الثقافية، حيث منحته أكاديمية المهرجان قبل أكثر من عشر سنوات ميدالية ولقب “سفير الحكاية”، تقديرًا لإسهاماته في الحفاظ على التراث الشفهي المغربي ونقله إلى الأجيال الجديدة. وقد ظل يعتز بهذا التكريم حتى آخر أيام حياته، مواصلًا أداء رسالته بكل تواضع وإخلاص.
ويؤكد عدد من المهتمين بالتراث اللامادي أن وفاة الحاج ياسين الركراكي تمثل خسارة كبيرة للثقافة المغربية، باعتباره شاهدًا على تحولات تاريخية امتدت لأكثر من قرن، وواحدًا من آخر كبار رواة الحكاية الشعبية الذين حافظوا على هذا الفن الأصيل في زمن تتراجع فيه فضاءات الحلقة التقليدية.
وفي أعقاب وفاته، تعالت أصوات ثقافية تدعو إلى تخليد اسمه، من خلال إقامة لوحة تذكارية أو معلمة رمزية بساحة باب الأحد في الرباط، تخليدًا لمسيرته الطويلة، واعترافًا بما قدمه للثقافة الشعبية المغربية، حتى يبقى حضوره حيًا في ذاكرة الأجيال المقبلة.
وبرحيل الحاج ياسين الركراكي، يطوي المغرب صفحة من صفحات تراثه الشفهي، ويودع أحد رجالاته الذين جعلوا من الكلمة رسالة، ومن الحكاية مدرسة، ومن الحلقة فضاءً لنقل الحكمة وصناعة الوعي.
رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته ومحبيه والأسرة الثقافية المغربية جميل الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.



