Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

سليمة فراجي: حين ينصب الشارع نفسه ممثلاً للحق العام .. أي حدود للتأثير على القضاء

لا أحد يجادل في حق المواطنين في التعبير عن آرائهم ومواقفهم من القضايا التي تشغل الرأي العام، غير أن هذا الحق لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للضغط على القضاء أو التأثير في مسار العدالة.

فطبقاً للفصل 109 من دستور المملكة، لا يخضع القاضي لأي ضغط أو تأثير، كما يعاقب القانون كل من حاول التأثير عليه بكيفية غير مشروعة. ذلك أن الجهة المخول لها دستوريا إصدار الأحكام هي السلطة القضائية وحدها، باعتبارها الضامن لحماية الحقوق والحريات وتحقيق الأمن القضائي وفق أحكام الدستور والقانون.

إن استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، في إطار توازن السلط وتعاونها، لا يعني أن تصبح خاضعة لسلطة الشارع أو لمنصات التواصل الاجتماعي أو الحملات الإعلامية المواكبة للقضايا المعروضة على المحاكم. فمثل هذه التدخلات قد تؤثر في حسن سير العدالة، وتدفع نحو إصدار أحكام تحت وطأة الضغط المجتمعي بدل الاحتكام إلى القانون والأدلة والضمانات الإجرائية.

وإذا اعتبر البعض أن حكما قضائيا ابتدائيا كان مجحفا أو جانب الصواب، فإن القانون وفر آليات الطعن والمراجعة أمام الجهات القضائية المختصة. فتصحيح الأحكام يتم داخل المؤسسات القضائية ووفق المساطر القانونية، لا عبر ممارسة الضغوط الإعلامية أو الرقمية التي قد تمس بحياد القاضي وتجرده.

ومنذ دستور 2011، الذي ارتقى بالقضاء إلى مصاف السلطة المستقلة ووسع من دائرة الحقوق والحريات، برزت في المقابل ظاهرة ما يمكن تسميته بـ”المحاكمات الشعبية” أو “المحاكمات الإعلامية”، حيث أصبحت بعض المنصات الرقمية فضاءً لإصدار أحكام مسبقة على الأشخاص، بل وأحيانا على المحاكم نفسها. وهي ممارسات تثير إشكالات حقيقية تتعلق بقرينة البراءة وبالحق في المحاكمة العادلة.

فالفصل 23 من الدستور يكرس قرينة البراءة ويضمن الحق في محاكمة عادلة، كما ينص الفصل 120 على ضمانات الدفاع وحق كل شخص في محاكمة عادلة داخل أجل معقول. كما تؤكد المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية أن كل مشتبه فيه أو متهم يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها جميع الضمانات القانونية.

وعليه، فإن القاضي مطالب بتكوين قناعته من خلال مناقشة الوثائق والمستندات والأدلة المعروضة عليه داخل إطار المحاكمة، بعيدا عن المؤثرات الخارجية وضغط الرأي العام. فالتطبيق العادل للقانون، وفق الفصل 110 من الدستور، هو الأساس الذي تبنى عليه الأحكام القضائية، وليس الاستجابة لمطالب الشارع أو الانصياع للمزاج العام.

إن الحق للجميع، لكن القانون فوق الجميع. ولذلك فإن محاكمات الشارع، مهما كانت دوافعها، تظل أحكاما مسبقة تصدر خارج المؤسسات القضائية، وقد تشكل مساسا بضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء. فالقضاء هو الضامن للحقوق والحريات، والملك، بمقتضى الفصل 107 من الدستور، هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية.

إن حماية العدالة لا تكون بالضغط على القضاة، وإنما بتمكينهم من أداء رسالتهم في مناخ من الاستقلال والتجرد والحياد، حتى تظل الأحكام القضائية عنواناً للحقيقة القانونية لا انعكاسا لصخب الشارع.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button