اختناق على بوابة إفريقيا.. هل تهدد أزمة معبر روصو مستقبل الصادرات المغربية؟

لم تعد أزمة الشاحنات المغربية العالقة عند معبر روصو الحدودي بين موريتانيا والسنغال مجرد تأخير عابر في حركة النقل الدولي، بل تحولت إلى أزمة لوجستية واقتصادية تثير تساؤلات حول مستقبل انسيابية المبادلات التجارية المغربية مع غرب إفريقيا، في وقت جعل فيه المغرب من العمق الإفريقي أحد أبرز رهاناته الاقتصادية والاستراتيجية.
فعلى امتداد الأيام الأخيرة وجد عشرات السائقين المغاربة أنفسهم عالقين على الحدود،محاصرين بين الإجراءات الإدارية البطيئة ودرجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية،بينما تتلف أطنان من الأسماك والخضروات والفواكه داخل الشاحنات المبردة وتتضاعف الخسائر المالية ساعة بعد أخرى.
وتأتي هذه الأزمة في ظرفية دقيقة بعدما اضطر مهنيون إلى التخلي عن الطريق التقليدي الذي يمر عبر مالي بسبب التدهور الأمني الذي تعرفه المنطقة واللجوء إلى معبر روصو باعتباره المنفذ الأكثر أمانا للوصول إلى السنغال وبوركينا فاسو وعدد من أسواق غرب إفريقيا.
غير أن هذا البديل الذي كان يفترض أن يضمن استمرارية حركة التصدير، تحول إلى نقطة اختناق حقيقية تهدد سلسلة الإمداد المغربية نحو القارة.
معبر يتحول إلى عنق زجاجة
وتؤكد معطيات ميدانية تكدس أكثر من 80 شاحنة مغربية بالمعبر في انتظار استكمال إجراءات العبور وسط شكاوى متكررة من بطء المساطر الإدارية في مقابل حديث المهنيين عن منح أولوية مرور للشاحنات المحلية خلال أغلب ساعات النهار.
وبحسب إفادات مهنيين فإن الشاحنات المغربية لا تستفيد إلا من فترة عبور لا تتجاوز ساعتين ونصف يوميا وهو ما يجعل عدد الشاحنات التي تعبر يوميا لا يتعدى بين ثماني وعشر شاحنات رغم الحجم المتزايد لحركة النقل التجاري بين المغرب ودول غرب إفريقيا.
وإذا استمرت هذه الوتيرة،فإن طوابير الشاحنات مرشحة للارتفاع بشكل يومي،بما ينذر بتحول الأزمة إلى وضع هيكلي يصعب احتواؤه في المدى القريب.
خسائر تتجاوز السائقين وتمس الاقتصاد
ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود معاناة السائقين،بل تمتد إلى المصدرين وشركات النقل وسلاسل التوزيع داخل الدول المستوردة.
فالمنتجات المغربية وخاصة الأسماك والخضر والفواكه تعتمد على سرعة الوصول للحفاظ على جودتها وأي تأخير لعدة أيام يعني عمليا انخفاض قيمتها التجارية أو تعرضها للتلف الكامل وهو ما يضع المصدرين أمام خسائر مالية كبيرة،فضلا عن تكاليف إضافية مرتبطة بالتبريد واستهلاك الوقود وتأخر التسليم.
ويحذر مهنيون من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع بعض المستوردين الأفارقة إلى البحث عن أسواق بديلة أكثر انتظاما، ما قد ينعكس مستقبلا على تنافسية الصادرات المغربية داخل منطقة تعرف منافسة متزايدة من عدة دول.
أسئلة تنتظر أجوبة
وتعيد هذه الأزمة إلى الواجهة تساؤلات عديدة حول مدى جاهزية الممرات التجارية البديلة التي تعتمدها المملكة عند تعطل المسارات التقليدية.
كما تطرح علامات استفهام حول طبيعة التنسيق الإداري بين مختلف السلطات المشرفة على هذا المعبر ومدى وجود آليات استثنائية لتسهيل مرور الشاحنات المحملة بالمواد سريعة التلف خصوصا في ظل تنامي المبادلات التجارية بين المغرب ودول غرب إفريقيا.
ويرى متابعون أن استمرار العراقيل الحالية قد يستدعي تحركا دبلوماسيا وتقنيا بين الرباط ونواكشوط ودكار، لتجاوز الاختلالات وضمان انسيابية حركة النقل بما ينسجم مع الدينامية الاقتصادية التي تعرفها العلاقات المغربية الإفريقية.
تحذيرات من شلل تجاري
وأمام استمرار الأزمة،دعت التنظيمات المهنية شركات النقل الدولي إلى تعليق عمليات شحن البضائع عبر هذا المسار إلى حين إيجاد حلول عملية تفاديا لمزيد من الخسائر.
كما طالبت السلطات الموريتانية باتخاذ إجراءات عاجلة لتسريع عمليات العبور وتحسين ظروف استقبال السائقين وتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية داخل المنطقة الحدودية.
ويؤكد مهنيون أن استمرار الوضع الحالي لا يهدد فقط مصالح شركات النقل،بل قد يؤثر على انتظام تموين عدد من الأسواق الإفريقية بالمنتجات المغربية، ما يجعل معالجة هذا الملف تتجاوز كونه إشكالا حدوديا عابرا ليصبح اختبارا حقيقيا لقدرة الممرات التجارية الإفريقية على مواكبة الطموحات الاقتصادية للمملكة داخل القارة.
وفي انتظار انفراج الأزمة،يبقى السؤال المطروح: هل ستتحرك الجهات المعنية سريعا لإنقاذ موسم التصدير أم أن معبر روصو سيتحول إلى نقطة اختناق دائمة تكلف المغرب خسائر تجارية يصعب تعويضها؟



