بعد مفاوضات شاقة.. نهاية الاقتطاع من أموال المتقاضين ورقابة على صناديق الودائع

بعد أشهر من الشد والجذب بين وزارة العدل وهيئات المحامين وجلسات تفاوض امتدت لساعات طويلة،يبدو أن مشروع القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة دخل مرحلته الحاسمة حاملا معه تحولات غير مسبوقة تمس واحدة من أكثر المهن ارتباطا بمنظومة العدالة.
فالمشروع الذي خضع لما يقارب 200 تعديل قبل وصوله إلى القراءة الثانية،لا يقتصر على مراجعة بعض المقتضيات التنظيمية،بل يعيد ترتيب العلاقة بين المحامي والمتقاضي ويضع قواعد جديدة لتدبير الأموال المودعة لدى الهيئات المهنية مع تشديد آليات الرقابة وترسيخ مبادئ الحكامة والشفافية.
وخلال عرضه لمشروع القانون أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب،أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن الصيغة الحالية جاءت ثمرة مفاوضات مطولة مع مختلف الفاعلين،مشيرا إلى أن الوزارة اختارت نهج الحوار بدل فرض الأمر الواقع وهو ما مكن من تجاوز عدد من نقاط الخلاف التي ظلت تؤخر إخراج هذا الورش التشريعي.
حماية أموال المتقاضين.. أبرز التحولات
أكثر المقتضيات إثارة للانتباه في المشروع الجديد يتمثل في منع أي اقتطاع من الأموال أو التعويضات المستحقة للمتقاضين وهو إجراء يضع حدا لممارسات كانت تسمح في بعض الحالات باقتطاع نسب من المبالغ المحكوم بها لفائدة أصحاب الحقوق.
ويعتبر هذا التعديل من أبرز المكاسب التي جاء بها المشروع،إذ يكرس مبدأ أن التعويضات المحكوم بها هي ملك خالص لأصحابها ولا يجوز المساس بها أو خصم أي مبالغ منها خارج الإطار الذي يحدده القانون بما يعزز حماية حقوق المتقاضين ويرفع من مستوى الثقة في منظومة العدالة.
صناديق الودائع تحت المجهر
ولم يتوقف الإصلاح عند هذا الحد،بل امتد إلى أحد أكثر الملفات حساسية داخل المهنة ويتعلق الأمر بصناديق الودائع التابعة لهيئات المحامين.
فالوزير دافع بقوة عن إخضاع هذه الصناديق لآليات الرقابة،معتبرا أن الأموال المودعة بها ليست أموالا خاصة بالهيئات وإنما تعود في الأصل إلى المواطنين والمتقاضين وتشمل تعويضات وشيكات ومبالغ مالية مودعة في إطار تنفيذ الأحكام أو تسوية المنازعات.
ويرى متابعون أن هذا التوجه يعكس رغبة الدولة في تعزيز الشفافية المالية داخل المؤسسات المهنية وتكريس مبادئ الحكامة الجيدة مع المحافظة في الوقت ذاته على استقلالية مهنة المحاماة وعدم المساس بأدوارها الدستورية.
تمويل جديد بدل الاقتطاعات
ولتعويض الموارد التي كانت تعتمد عليها بعض الصناديق المهنية،يقترح المشروع إحداث آلية تمويل جديدة تقوم على تخصيص مبلغ 150 درهما عن كل ملف يتم تنفيذه ضمن أتعاب المحاماة والمصاريف القضائية،بما يضمن استدامة تمويل الصناديق دون تحميل المتقاضين اقتطاعات من مستحقاتهم.
ويعكس هذا التوجه محاولة لإيجاد توازن بين حماية الحقوق المالية للمواطنين وضمان استمرار الهيئات المهنية في أداء مهامها الاجتماعية والتنظيمية.
إصلاح شروط الولوج وتكريس التداول
كما يحمل المشروع مراجعة واسعة لشروط الولوج إلى المهنة وآليات تدبيرها، إذ تم تحديد سن الولوج إلى معاهد المحاماة في 45 سنة بالنسبة لحاملي الشهادات واعتماد أقدمية 20 سنة من الممارسة الفعلية كشرط للترشح لمنصب النقيب،إضافة إلى تقليص عدد الولايات المهنية إلى ولايتين في خطوة تروم تعزيز التداول على المسؤولية وتجديد النخب داخل الهيئات.
مسطرة جديدة لمعالجة شكايات المواطنين
وفي ما يتعلق بشكايات المواطنين، سعى المشروع إلى تحقيق توازن بين استقلالية المهنة وضمان حق المتقاضين في الإنصاف.
وبموجب الصيغة الجديدة يتعين على النقيب البت في الشكايات داخل أجل أقصاه 90 يوما،وإذا انقضى هذا الأجل دون اتخاذ قرار أو تم رفض الشكاية يصبح من حق المشتكي اللجوء مباشرة إلى الوكيل العام للملك لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.
وتؤكد وزارة العدل أن هذه الآلية لا تنتقص من استقلالية الهيئات المهنية،بل تمنع تعطيل شكايات المواطنين وتوفر مسارا قانونيا واضحا يضمن حقوق جميع الأطراف.
إصلاح يغير ملامح المهنة
ويرى عدد من المتابعين أن مشروع القانون الجديد يتجاوز كونه تعديلا تقنيا للنصوص المنظمة للمحاماة، ليشكل إعادة هيكلة شاملة لعدد من آليات اشتغال المهنة خصوصا في الجوانب المرتبطة بتدبير الأموال والحكامة الداخلية وحماية حقوق المتقاضين.
وبينما تؤكد وزارة العدل أن المشروع يهدف إلى تعزيز استقلالية المحاماة وتحديثها بما ينسجم مع المعايير الحديثة،ينتظر أن تستمر مناقشة بعض تفاصيله داخل المؤسسة التشريعية قبل أن تتضح الصيغة النهائية التي ستؤطر واحدة من أهم المهن المرتبطة بإقامة العدالة وحماية الحقوق في المغرب.



