Hot eventsأخبارأخبار سريعةعين العقل

حين نصبح نحن المدانون… بين خطيئة الاختيار ومسؤولية الوعي

بقلم الاستاذ/ مولاي الحسن بنسيدي علي

كثيرًا ما تتعالى الأصوات في الميادين، وتُرفع الشعارات، وتُكتب المقالات نيرانًا من الغضب على من تولّوا المناصب، واعتلوا الكراسي باسم الشعب. نتهمهم بالفساد، ونطالب برحيلهم، ونسوق إليهم كل ألوان اللوم، وكأنهم نزلوا علينا من غياهب المجهول.
لكن الحقيقة التي تلسع الضمير كجمرةٍ في راحة اليد هي أننا — نحن الشعب — من جئنا بهم، وأودعنا فيهم الثقة، ومنحناهم مفاتيح الأمانة. ثم لما خانوا، أنكرنا أننا كنا شهود الزور الذين صمتوا ساعة الاختيار أو باعوا أصواتهم بثمنٍ بخسٍ من الوعود الزائفة.
لقد تحوّلنا، بوعيٍ أو بغير وعي، من مواطنين إلى متواطئين، ومن شركاء في الوطن إلى شركاء في الذنب.
وحين نقيم عليهم الدعوى، نجد أن الدعوى مردودة شكلاً ومضمونًا، لأنّ الخصم والحكم فيها واحد. فالقانون، في صمته البليغ، يُذكّرنا بأنّ من تنازل عن حقه بإرادته لا يُقبل له ادعاء، ومن فوّض ظالمًا ثم ندم، فقد خان نفسه قبل أن يُخون الوطن.
السياسة ليست مسرحًا للفرجة، بل عقدًا اجتماعيًا ملزمًا، أساسه حسن الاختيار ورقابة الضمير. والوعي الشعبي ليس زينةً للديمقراطية، بل شرط قيامها. فإذا انحرف الوعي، فسد العقل، وتحوّل التحكم إلى مسرحٍ للعبث والوجوه المكرّرة.
إنّ الوطن لا يُخان مرةً واحدة، بل يُخن كل يوم حين نصمت عن الحق، أو نُصفّق للباطل، أو نُبرّر الفساد بذريعة الخوف أو الحاجة. فكما أنّ القانون يعاقب على المشاركة في الجريمة، كذلك التاريخ لا يرحم من ساهم في سقوط وطنه بالصمت أو الرضا أو اللامبالاة.
وحين نطالب اليوم بردّ الاعتبار، يواجهنا ضمير الوطن بمرآته الصافية:
“أنتم من اخترتم، وأنتم من صمتّم، وأنتم من تهاونتم.”
فلا مفرّ من الاعتراف: إننا نحن المدانون قبل غيرنا.
وما أصدق ما ختم به أمير المؤمنين حفظه الله وشافاه خطابه من قوله تعالى:
“فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.”
آيةٌ تختزل عدالة الأرض والسماء، لتقول لنا: إنّ الإصلاح لا يبدأ بسنّ القوانين ولا بتبديل الوجوه، بل بتطهير الضمائر، وإعادة تعريف معنى الوطن في قلوبنا.
فإذا أردنا وطنًا نقيًا من الفساد، فلنغسل أيدينا قبل أن نشير بها إلى الآخرين.
وإن أردنا عدلاً في الحكم، فلنُقيم أولًا محكمةً في داخلنا، نحاكم فيها غفلتنا، ونصدر فيها حكم الوعي بدل حكم العادة.
حينها فقط، نكون قد بدأنا أول خطوة في درب التغيير الحق،
حين نصبح نحن — لا غيرنا — شهود البراءة بدل شهود الزور.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button