Hot eventsأخبارأخبار سريعةفي الصميم

الهجرة والعزوف الانتخابي لدى الشباب المغربي: أزمة الفرص والثقة السياسية

اللهم قطران بلادي ولا عسل بلدان الناس
ألمانيا : منير لكماني

تبدو مجازفة الوصول إلى سبتة أقدر من صندوق الاقتراع على تغيير الحياة، فنحن أمام خلل يتجاوز موسم الانتخابات. لا يحمل الشاب جسده إلى الحدود لأنه يجهل قيمة وطنه، ولا يغيب عن التصويت لأنه راض عن البطالة. إنه يبحث عن أثر يراه في حياته، بعدما صار يسمع عن الإصلاح أكثر مما يلمسه. هنا ينبغي أن نقرأ المثل: «اللهم قطران بلادي ولا عسل بلدان الناس». محبة البلاد عميقة، لكنها لا تمنح أحدا الحق في مطالبة أبنائها بتذوق المرارة إلى الأبد.

ليس من الدقة الزعم بأن الذين حاولوا عبور سبتة هم أنفسهم الذين لم يصوتوا؛ ففيهم قاصرون لا يحق لهم الاقتراع، ولا تتوافر بيانات تجمع الخيارين في أشخاص بعينهم. غير أن المشهدين يطرحان سؤالا عاما لا يجوز الهرب منه. في انتخابات 2026، لم يمثل من تراوحت أعمارهم بين 18 و24 سنة سوى 4 في المائة من المسجلين، وبلغت المشاركة العامة عند إغلاق المكاتب 38.02 في المائة. إنها نسبتان مختلفتان، لكنهما تدعوان إلى مساءلة العلاقة بين الجيل الصاعد والسياسة.

الهجرة، في تصور من يقدم عليها، قرار شخصي قد يبدأ أثره غدا: فرصة عمل، أو أجر، أو قدرة على مساعدة الأسرة. أما التصويت فثمرته مشتركة ومؤجلة، وقد تضيع وسط تحالفات لا يعرف الناخب كيف صنعت. هذا التصور لا يجعل العبور آمنا؛ فقد غذته أيضا أخبار مضللة، وانتهى بكثيرين إلى خوف وخسارة. لكنه يكشف لماذا يبدو الوعد السريع، ولو كان وهما، أقوى من وعد انتخابي تآكلت مصداقيته بتكرار التجربة.

وإذا كان الشاب مخطئا حين يظن أن الضفة الأخرى ستعطيه ما عجزت عنه مدينته، فكم مرة أخطأت الأحزاب وهي تقدم له الوجه نفسه في صورة جديدة؟ لا تكفي عبارة «الشباب مستقبل الوطن» ممن لم يفتح لهم بابا داخل الحزب أو البرلمان. ومن يعد بفرص العمل عليه أن يقول أين ستنشأ، ومتى، وكيف سيحاسب إن لم تنشأ. لا يشتري المواطن ثقة جديدة بخطاب قديم؛ يريد حصيلة منشورة، ومرشحين يعرفون مشكلاته، ومساءلة فعلية لمن أخفق.

والأشد إيلاما أن يسألهم الكبار لماذا لم يصوتوا، فيما تظل أبواب الترشيح ودوائر القرار مغلقة أمام كثير منهم. من يريد صوت الشاب عليه أن يقبل صوته في وضع البرنامج، وأن يفسح له مجالا للمساءلة والقيادة، لا أن يستدعيه يوم الاقتراع ليبارك قرارا صنع في غيابه.

على أن غضب الشباب، مهما كان مبررا، يفقد شيئا من قوته حين يبقى خارج كل تنظيم. فالامتناع الذي لا يحمل مطلبا واضحا لا يفسره أصحابه وحدهم؛ قد ينسبه السياسي إلى اللامبالاة، ثم يحتفل بفوزه بأصوات الأقلية التي حضرت. ولم تكن المشاركة الضعيفة بالضرورة عقابا لمن خيبوا الآمال؛ فالعقاب الانتخابي يحتاج إلى بديل وأصوات تتجمع حوله. حين يخلو المكان من الغاضبين، لا يخلو ممن اعتادوا إدارته.

ولا تختزل المشاركة في ورقة تلقى يوم الاقتراع. تبدأ حين يسأل السكان عن ميزانية الحي، ويتابع الطلاب ما وعد به ممثلوهم، وينضم أصحاب الكفاءة إلى العمل العام بدل تركه لمن يملكون المال والشبكات. هذا الطريق أصعب من الغضب العابر، لكنه يمنح الاعتراض اسما ومطلبا وقدرة على الاستمرار. ولا يجوز أن تصبح الدعوة إليه ذريعة لإعفاء المؤسسات من واجب توفير تعليم ينفع، وعمل يصون الكرامة، وخدمات لا تقسم الناس بحسب دخلهم.

الوطن ليس ما تقوله المنصات عن الانتماء، بل ما يلقاه الإنسان حين يمرض، ويطلب عملا، ويطرق باب الإدارة. والوطني لا يقاس بطول إقامته داخل الحدود؛ فقد يرحل طلبا للرزق ويبقى أنفع لبلاده ممن استقر فيها ونهب مالها. كما لا يصبح المرء وطنيا لمجرد أنه صوت، إن باع صوته أو سكت عن الظلم. الحب هنا مسؤولية متبادلة: على المواطن ألا يترك مصيره للآخرين، وعلى من يحكم أن يجعل البقاء خيارا كريما.

لن يستعيد الصندوق هيبته بالتوبيخ، ولن تصير سبتة أقل إغراء بالخطب. حين يصدق الشاب أن صوته قادر على إزاحة الفاشل، وأن جهده قادر على بناء حياة في بلده، سيجد للمشاركة معنى وللبقاء سببا. أما أن نطالبه باختيار القطران، ثم نستنكر بحثه عن العسل، فذلك اعتراف بأننا حفظنا المثل ونسينا أن نغير الواقع الذي جعله موجعا.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button