حين تتكلم الصفة بدل الشخص.. خلفيات ضبط حضور مسؤولي العدل في الإعلام

لم تأت الدورية الأخيرة الصادرة عن وزارة العدل لتنظيم استعمال الصفة الإدارية والمهنية من فراغ،بل تندرج ضمن سياق أوسع يشهد تزايد حضور مسؤولي وموظفي القطاع القضائي في الفضاء الإعلامي والعلمي أحيانا بصفاتهم الوظيفية وبمواقف تفهم على أنها تعكس رأيا رسميا للإدارة ما أعاد إلى الواجهة إشكالية الحدود الفاصلة بين حرية التعبير وواجب التحفظ.
رصد داخلي قاد إلى التدخل
بحسب معطيات متداولة داخل القطاع، رصدت المصالح المركزية للوزارة خلال الفترة الماضية تكرار حالات الإدلاء بتصريحات صحفية والمشاركة في ندوات علمية ونشر مقالات وكتب مع الإشارة الصريحة إلى الصفات الإدارية والمهنية وأحيانا باستعمال وثائق أو معطيات مرتبطة بالعمل القضائي دون الحصول على ترخيص مسبق.
هذا الوضع ترى الوزارة لا يمس فقط بقواعد الانضباط الإداري بل قد يخلق لبسا لدى الرأي العام بين المواقف الشخصية والتوجهات الرسمية ويعرض المرفق القضائي لتأويلات أو توظيفات خارج سياقه المؤسساتي.
ما الذي تنص عليه الدورية بالضبط؟
الدورية الموجهة إلى مختلف هياكل وزارة العدل شددت على منع استعمال الصفة الوظيفية في أي تصريح إعلامي أو نشاط خارجي إلا بعد ترخيص مسبق كما منعت بشكل صريح استغلال المعطيات والوثائق الإدارية الرسمية المرتبطة بالمهام الوظيفية.
وتستند الوزارة في ذلك إلى مرجعيات دستورية وقانونية أبرزها الفصل 155 من الدستور والمادة 18 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية اللذان يفرضان على الموظف العمومي واجب التحفظ وعدم إفشاء الأسرار المهنية والحفاظ على حياد الإدارة.
النشر العلمي تحت المجهر
من أكثر النقاط إثارة للنقاش في الدورية،إلزام الموظفين بالحصول على ترخيص مسبق من مديرية الموارد البشرية قبل نشر أي كتاب أو مقال علمي يستعمل فيه الانتماء الوظيفي.
ويرى متابعون أن هذا الإجراء يعكس توجها نحو ضبط العلاقة بين المعرفة الأكاديمية والمؤسسة القضائية خاصة في ظل تزايد الإنتاجات التي تتناول قضايا العدالة من داخل المنظومة نفسها وهو ما يطرح سؤالا حساسا
هل الهدف هو التنظيم فقط أم الحد من التعبير النقدي باسم الصفة الوظيفية؟
بين هيبة القضاء وحرية التعبير
الوزارة تؤكد بشكل غير مباشر أن الدورية لا تستهدف تقييد حرية التعبير بل حماية هيبة المرفق القضائي ومنع استغلال المنصب لأغراض شخصية أو إعلامية. غير أن بعض الفاعلين يرون أن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد توازن دقيق بين تشجيع النقاش العمومي الرصين حول إصلاح العدالة وضمان عدم تحول الموظف العمومي إلى ناطق غير رسمي باسم الإدارة.
رسائل سياسية وإدارية
قراءة استقصائية للدورية توحي بأنها تحمل رسائل متعددة: رسالة داخلية مفادها أن الوزارة ماضية في تشديد الانضباط الإداري ورسالة خارجية تؤكد أن المواقف الرسمية تصدر فقط عبر القنوات المؤسسية ، كذلك رسالة ضمنية بأن أي خروج عن هذا الإطار قد يعرض صاحبه للمساءلة.
هل تكفي الدورية وحدها؟
يبقى السؤال المطروح: هل يكفي إصدار دورية إدارية لضبط هذا المجال أم أن الأمر يحتاج إلى نقاش أوسع حول أخلاقيات التواصل داخل المرفق القضائي ومعايير واضحة تميز بين الرأي الشخصي،التحليل الأكاديمي والموقف الرسمي؟
في انتظار الجواب، تؤشر الدورية الجديدة على مرحلة أكثر صرامة في تدبير صورة وزارة العدل وحضورها في الفضاء العمومي،في زمن أصبحت فيه الكلمة أكثر من أي وقت مضى جزءا من السلطة.



