الماء يعود… والأسواق تتعلّم الخوف من عين الدولة

بين آخر يوم من دجنبر وأول خيط من يناير، بدا المغرب كمن يستعيد نَفَسه المائي بعد اختناق طويل. أرقام حقينة السدود قفزت في خمسة أيام فقط من 39 إلى أكثر من 42 في المائة، وكأن السماء قررت أن تمنح البلاد هدنة قصيرة مع العطش. غير أن الماء، على أهميته، لا يحلّ وحده معادلة القلق الاجتماعي؛ فبموازاة هذا التحسن الملحوظ، كانت الحكومة تُشهر عصاها في وجه الأسواق الغذائية وأسواق الصيد البحري، وتعلن تقنين الصادرات ومنع تصدير السردين المجمد لضمان الوفرة وضبط الأسعار.
وهكذا يظهر المشهد على شكل رسالتين متجاورتين: الأولى من الطبيعة التي استعادت سخاءها، والثانية من الدولة التي لم تعد تثق في منطق “دعه يعمل”. قرار الدريوش ليس مجرد إجراء تقني في قطاع الصيد، بل إعلان سياسي مبطن بأن مرحلة المضاربات المفتوحة شارفت على نهايتها. ومع ذلك، يظلّ خطاب المسؤولين أسير العبارة التقليدية: الأسعار تخضع للعرض والطلب. عبارة صحيحة نظريا، لكنها في الواقع المغربي تُخفي شبكة طويلة من الوسطاء وهوامش الربح والبرودة المكسورة في سلسلة التبريد.
وفي الضفة الأخرى من الأخبار، كانت السياحة تحقق رقمها التاريخي: 19.8 مليون سائح في 2025. مطارات ممتلئة، فنادق تتنفس بالدولار والأورو، ودرهم يلمّع صورته أمام الأورو. لكن السؤال الذي لا تطرحه البلاغات هو: هل تتسرّب هذه الطفرة إلى جيوب الباعة بالتقسيط وإلى موائد الشباب العازف عن مناصب الشغل “غير الجذابة”؟ السكوري كان صريحا وهو يعترف بأن الوظيفة لم تعد حلما لكثير من الشباب، وأن القيم المهنية تغيرت نحو المرونة والكرامة قبل الأجر.
ومن خلال مستجدات الاستثمار ودعم المقاولات، يطلّ أمل آخر. جهة فاس–مكناس وحدها أحدثت أكثر من 6300 مقاولة، والعلامة “صنع في المغرب” تتحول إلى أداة دبلوماسية اقتصادية. غير أن المقاولة، مهما تكاثرت، تحتاج ماءً دائماً وأسواقاً عادلة وشباباً يؤمن بأن العمل ليس فخاً زمنياً.
وبالتالي، يبدو أن 2026 يفتتح فصله الأول بمصالحة مؤقتة مع الماء، وبدرس قاسٍ للتجار، وبسؤال معلّق حول معنى الشغل في زمن جديد. فضيلة هذا البلد أنه يتقدم دائماً بنصف ابتسامة ونصف حذر؛ أما رذيلته فأن الطفرات الكبرى تصل متأخرة إلى الإنسان الصغير.



