رحيل أخنوش يربك حسابات الأحرار ويكشف هشاشة القيادة بعد سنوات من التمركز

كما كان متوقعا، عزيز أخنوش رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس الحكومة، قراره مغادرة رئاسة الحزب مع انعقاد مؤتمر وطني استثنائي مرتقب خلال الشهر المقبل،مؤكدا عدم ترشحه لولاية تنظيمية جديدة إلى جانب حسمه عدم خوض الانتخابات التشريعية المقبلة واضعا بذلك حدا لمرحلة سياسية استثنائية جمعت بين قيادة الحزب ورئاسة الجهاز التنفيذي لسنوات.
هذا الإعلان الذي جرى تداوله خلال اجتماع المكتب السياسي لم يكن مجرد قرار تنظيمي داخلي بل شكل منعطفا سياسيا أربك حسابات الحزب وفتح باب التأويل واسعا حول مستقبل “الأحرار” وموازين القوى داخله،خاصة في ظل ارتباط عدد من الوجوه القيادية والحكومية بمسار أخنوش الشخصي أكثر من ارتباطها ببنية حزبية مستقلة وقوية.
صدمة داخلية وارتباك في صفوف القيادات
وبحسب مصادر متطابقة،فقد شكل قرار أخنوش صدمة حقيقية لعدد من القياديين الذين بنوا رهاناتهم السياسية على استمراره إلى ما بعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة وفي مقدمتهم أسماء تقلدت مواقع متقدمة داخل الحزب والحكومة خلال ولايته من بينها مصطفى بايتاس، لحسن السعدي وأسماء أخرى صعدت بسرعة داخل هياكل القرار في مسار أثار منذ البداية جدلا واسعا حول معايير الاستوزار والترقية السياسية داخل الحزب.
وتؤكد المصادر ذاتها أن جزءا من هذه القيادات وجد نفسه فجأة أمام فراغ سياسي وتنظيمي في ظل غياب قاعدة انتخابية أو امتداد تنظيمي حقيقي خارج مظلة أخنوش،ما يفسر حالة الارتباك التي طبعت الاجتماع الأخير للمكتب السياسي.
محاولات فاشلة لإقناع أخنوش بالعدول
وفي هذا السياق،تشير المعطيات المتوفرة إلى أن محاولات قادها بعض قياديي الحزب من بينهم محمد أوجار،لإقناع أخنوش بالتراجع عن قراره أو على الأقل تأجيله إلى ما بعد الانتخابات باءت بالفشل بعدما بدا أن القرار محسوم وغير قابل للمراجعة.
وتصف مصادر حضرت الاجتماع الأجواء بأنها كانت مشدودة وغير مريحة حيث طغى الصمت والارتباك على عدد من المتدخلين،في مشهد عكس حجم التمركز السياسي والتنظيمي الذي بناه أخنوش داخل الحزب والذي أفرز نمط تدبير قائما على منطق الولاء أكثر من التداول الداخلي أو التنافس الديمقراطي.
أزمة نموذج القيادة داخل الأحرار
ويرى متابعون أن هذا النموذج في القيادة ساهم في إضعاف الهياكل التنظيمية للحزب وربط مصيره بشخص واحد وهو ما جعل مرحلة ما بعد أخنوش محفوفة بالمخاطر خاصة في سياق سياسي واجتماعي متوتر عرفت فيه البلاد موجة انتقادات حادة للأداء الحكومي واحتجاجات رفع خلالها شعار “أخنوش ارحل” في أكثر من مناسبة.
سباق خلافة محدود وقرارات أكبر من الحزب
في خضم هذا التحول، بدأت تتسرب معطيات قوية حول هوية الخليفة المرتقب وسط شبه إجماع داخل الكواليس السياسية على أن مسألة الخلافة لا ترتبط فقط بإرادة المؤتمر أو التوازنات الداخلية، بل تأتي في إطار قرارات وتقديرات وصفت بأنها أكبر من الحزب ورئيسه.
ووفق مصادر خاصة، فإن سباق الخلافة وإن بدا شكليا مفتوحا إلا أنه في الواقع محصور بين اسمين بارزين أحدهما رجل ينظر إليه كامتداد للتجربة التنظيمية داخل الحزب والآخر امرأة تحظى بدعم قوي داخل دوائر القرار مع ترجيح كفة الخيار الثاني باعتباره أكثر قدرة على تسويق مرحلة التجديد وامتصاص الاحتقان.
تغيير الواجهة دون تغيير الجوهر؟
ويأتي هذا التحول في توقيت سياسي بالغ الحساسية،قبيل أشهر قليلة من موعد الانتخابات التشريعية وهو ما يقرأه مراقبون كمحاولة لإعادة تلميع صورة الحزب وامتصاص الغضب الشعبي عبر تغيير الواجهة،دون إحداث قطيعة حقيقية مع السياسات والاختيارات التي طبعت المرحلة السابقة.
ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل ينجح حزب التجمع الوطني للأحرار في تدبير مرحلة ما بعد أخنوش بحد أدنى من الاستقرار والتماسك، أم أن خروج الرجل الذي أمسك بكل الخيوط سيكشف هشاشة البناء التنظيمي ويفتح الباب على صراعات داخلية قد تعصف بموقع الحزب في المشهد السياسي؟



