حنين الى نظام الشاه..ايران على صفيح ساخن

تشهد إيران منذ سنوات موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية التي تعكس حالة من الغضب الاجتماعي والسياسي المتصاعد. وتتنوع أسباب هذه الاحتجاجات بين الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، والقيود السياسية، والمطالب بالحريات الفردية، إضافة إلى الاعتراض على سياسات النظام الحاكم.
في خضم هذه التطورات، عاد الحديث في بعض الأوساط السياسية والإعلامية عن احتمال عودة النظام الملكي أو أحد أفراد عائلة الشاه إلى المشهد السياسي الإيراني، وهو موضوع يثير جدلاً واسعاً داخل إيران وخارجها.
وكان قد أُطيح بالشاه محمد رضا بهلوي عام 1979 بعد ثورة شعبية قادها رجال الدين والمعارضون السياسيون، ما أدى إلى تأسيس الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني. منذ ذلك الحين، ظلت العلاقة بين النظام الجديد وأنصار الملكية متوترة، حيث يعيش وريث العرش السابق رضا بهلوي في المنفى، ويواصل نشاطه السياسي والإعلامي داعياً إلى إقامة نظام ديمقراطي علماني في إيران.
و تعاني إيران من تضخم مرتفع، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات البطالة، نتيجة العقوبات الدولية وسوء الإدارة الاقتصادية.وتتهم قطاعات واسعة من الشعب النخبة الحاكمة بالفساد واستغلال النفوذ. و تزايدت الاحتجاجات بعد وفاة الشابة مهسا أميني عام 2022، ما أشعل موجة من الغضب ضد سياسات فرض الحجاب الإجباري والتضييق على الحريات.
أدت السياسات الخارجية الإيرانية إلى توتر العلاقات مع الغرب، مما زاد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين، وتتميز الاحتجاجات الأخيرة بأنها أكثر انتشاراً جغرافياً وشمولاً من سابقاتها، إذ شاركت فيها فئات مختلفة من المجتمع، بما في ذلك النساء والشباب والطبقة الوسطى. كما اتخذت طابعاً أكثر جرأة في شعاراتها، حيث لم تقتصر على المطالب الاقتصادية، بل شملت الدعوة إلى تغيير النظام السياسي بالكامل.
واستعملت السلطات الإيرانية القوة لكبح الاحتجاجات، عبر نشر قوات الأمن واعتقال آلاف المتظاهرين. كما اتهمت الحكومة أطرافاً خارجية بالتحريض على الفوضى، في محاولة لتبرير الإجراءات الأمنية الصارمة.
في المقابل، تؤكد منظمات حقوق الإنسان أن السلطات استخدمت القوة المفرطة ضد المحتجين، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى.
في ظل تصاعد الغضب الشعبي، عاد اسم رضا بهلوي إلى الواجهة، خاصة عبر وسائل الإعلام الغربية ومنصات التواصل الاجتماعي. يدعو بهلوي إلى إقامة نظام ديمقراطي علماني، ويؤكد أنه لا يسعى إلى استعادة الحكم الملكي بالمعنى التقليدي، بل إلى دعم انتقال سلمي للسلطة.رغم ذلك، يرى بعض المراقبين أن فكرة عودة الملكية تواجه عقبات كبيرة، منها:غياب قاعدة تنظيمية قوية داخل إيران تدعم هذا التوجه.سيطرة الأجهزة الأمنية على مفاصل الدولة.الانقسام داخل المعارضة الإيرانية بين تيارات علمانية، إصلاحية، وقومية.الحساسية التاريخية لدى بعض الإيرانيين تجاه فترة حكم الشاه السابقة.
وفي الجهة الاخرى، تتابع القوى الإقليمية والدولية التطورات في إيران بحذر. فالدول الغربية ترى في الاحتجاجات فرصة للضغط على النظام الإيراني، بينما تخشى دول الجوار من أن يؤدي أي اضطراب داخلي إلى زعزعة استقرار المنطقة. أما إسرائيل والولايات المتحدة، فترى في ضعف النظام الإيراني فرصة لتقليص نفوذه الإقليمي، في حين تدعم روسيا والصين بقاء النظام الحالي حفاظاً على مصالحهما الاستراتيجية.
وفي زل هذا الضغط الداخلي والخارجي، قد يلجأ النظام إلى تقديم تنازلات شكلية لاحتواء الغضب الشعبي دون تغيير جوهري في بنية الحكم. في حال استمرار الأزمة الاقتصادية وتوسع الاحتجاجات، قد يواجه النظام خطر الانهيار أو التحول السياسي الكبير.
ويطرح احتمال عودة رمزية للنظام الملكي، لكنه مطروح في بعض الأوساط، يتمثل في دور رمزي أو استشاري لأسرة بهلوي ضمن نظام جديد أكثر انفتاحاً.
وفي هذا الاتجاه تسعى بعض القوى الدولية إلى دعم المعارضة أو فرض ضغوط سياسية واقتصادية لتسريع التغيير.
و تظل الاحتجاجات في إيران مؤشراً على عمق الأزمة الداخلية التي تواجهها البلاد، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي. ورغم أن الحديث عن عودة الشاه إلى السلطة يبدو حتى الآن بعيد المنال، إلا أنه يعكس حالة من الحنين لدى بعض الإيرانيين إلى مرحلة ما قبل الثورة، في ظل الإحباط من الأوضاع الراهنة.



